829

والجواب: أنا لو خلينا وقضية العقل، لكنا لا نعلم أنه تعالى قادر على ما لو فعله لكان مفسدة كما في اللطف لما مر من أن اللطفية والمفسدية غير داخلين في المقدور، لكنه قد دل السمع على أن في الحوادث ما يفسد به كل أحد كما في قوله: {ولو بسط الله الرزق لعباده..} [الشورى:27 ]الآية، إذ لم يفصل بين عبد وعبد ونحوها، ومثل هذا الدليل لم يوجد في المصلحة فتبقى على حكم العقل، وبه يبطل القياس لوجود الفارق المذكور.

الوجه الثامن: إجماع المسلمين على دعاء الله وطلب اللطف والتوفيق والعافية منه، فلو لم يكن ذلك مقدورا لم يصح طلبه، وكذلك لو كان واجبا إذ هو من طلب تحصيل الحاصل، مع أن سؤال العافية يتضمن السؤال ترك الواجب الأصلح وهو المرض، لأنه من الألطاف عندكم، وأيضا فإنه يجوز من أحدنا أن يسأل الله أن يجعله أفضل من غيره وهو تعالى قادر على ذلك إجماعا، فيجب أن يقدر على ما لا يتم إلا به وهو اللطف؟

والجواب من وجوه:

أحدها: أن ذلك مشروط بكونه مقدروا وإن لم يلفظ به فهو في حكم الملفوظ، وكذلك سؤال العافية مشروط بالصلاح.

قال (القرشي): ولولا أن السمع منع من سؤال المرض إذا تعلق به صلاح لسألناه، واعترضه الإمام عز الدين عليه السلام فقال: لا أعلم دليلا من السمع يمنع من ذلك إلا أن يدعي الإجماع ولا يثبت بهذه المسألة، ولكن يعرف ذلك من وجوب دفع الضرر، فيقال: إذا كان الواجب على العاقل دفع الضرر عن نفسه كالمرض بالأدوية وغيرها، فبالأولى أن لا يسأل الضرر.

قيل: وقد اختلف في الدعاء على النفس بمضار الدنيا، فقيل: لا يحسن مطلقا، وقيل: عدم حسنه مشروط بأن لا يكون فيه صلاح.

ثانيها: أن طلب اللطف تعبدا كما تعبدت الملائكة بالاستغفار لمن تاب، وهذا جواب عن قولهم: لو كان واجبا لما حسن طلبه.

صفحه ۸۳۶