819

الحجة الأولى: أن الغرض بالتكليف تعريض المكلف لمنافع الثواب، فإذا كان في مقدوره تعالى ما لو فعله به لاختار الواجب واجتنب القبيح فلا بد من أن يفعل به ذلك، وإلا عاد على غرضه بالنقض، وصار الحال فيه كالحال في أحدنا إذا أراد من بعض أصدقائه أن يجيب إلى طعام قد اتخذه له فإنه يجب عليه أن يدعوه إذا علم من حاله أنه لا يجيب إلا بدعائه، وإلا عاد على غرضه الذي هو الإجابة بالطعام بالنقض ويصير اصطناعه للطعام عبثا فكذلك هاهنا، فإن قيل: إنما وجب في الشاهد لأنه يتضرر بالإنفاق مع عدم حصول الغرض بخلاف الباري تعالى؟ قيل: إنا نفرض الكلام فيمن لا يبالي ولا يتضرر، ثم إنه لو وجد الفرق من هذا الوجه فلا فارق بينهما في مصير الفعل عبثا والقديم تعالى لا يفعل العبث لقبحه، فإن قيل: إن أحدنا قد يصنع للغير طعاما ثم يبدو له في إرادة تناوله فلا يجب عليه الدعاء؟ قيل: إنا نفرض الكلام مع استمرار الحال في الإرادة لتناول الطعام كما يستمر الحال في إرادة الله تعالى للطاعة، وأن غرضه بالتكليف باق، إذ لا يجوز عليه البدا والخواطر، فإن قيل: لو وجب ذلك لوجب أن يشاطره ماله إن علم أنه لا يجيب إلا بذلك، وكذلك يلزم في السيد إذا قال لعبده: اسقني ماء، وعلم من حاله أنه لا يمتثل إلا بعتقه أن يجب؟ قيل: أما الأول ففيه تفصيل وهو أن نقول: إن كان الغرض بإحضاره نفعه أي: المدعو بدعائه إلى الطعام فلا تجب المشاطرة لأنه يلحقه ضرر بذلك وهو ينقض الغرض وتركه لا ينقضه، وإن كان الغرض نفع نفسه أعني فاعل الطعام بما يحصل له من سرور أو ثناء أو جزاء فإن كان الضرر الذي يلحقه بالمشاطرة يساوي النفع أو يزيد عليه فالقول ما تقدم من أن ذلك يبطل الغرض، والمسألة مفروضة مع بقاء الغرض، وإنما قلنا: إنه ينقض الغرض لما تقرر من أن المصلحة إذا لزم منها مفسدة راجحة أو مساوية صارت مفسدة، ولا شك أن الغرض هنا النفع، فإذا لزم منه ما ذكر لم يكن نفعا بل ضررا وهو معنى نقض الغرض، وإن كان دون ذلك النفع كأن يكون المدعو ملكا يحصل له من ضيافته نفع زايد على ضرر المشاطرة من مال عظيم أو جاه عريض أو ثناء كثير فإنها تجب المشاطرة حينئذ، وإلا عاد على غرضه بالنقض، لا سيما إذا كان صنع الطعام بعد العلم بأنه لا يأتيه إلا بالمشاطرة، ولا شك أن الباري تعالى لا غرض له في التكليف إلا نفع المكلف، ولا يلحقه في فعل اللطف ضرر فيجب.

وأما الإمام المهدي عليه السلام فقال في جواب هذا السؤال: نحن نلتزم أنه إذا عرف من حاله أنه لا يأتي الطعام إلا بذلك واشتغل بالطعام له وهو يعلم ذلك فإنه إن لم يشاطره انتقض غرضه بفعل الطعام وكان في حكم العابث بفعل الطعام، ولا نقول بوجوب المشاطرة لكن ينكشف لنا أن اشتغاله كان عبثا، ولما علمنا أن العبث لا يجوز على الله تعالى علمنا أنه لا يخل باللطف، هذا حاصل كلامه عليه السلام ولم يعتبر التفصيل السابق، بل عدل إلى لزوم العبث الذي يتنزه الباري جل وعلى عنه، نعم. وفي كلام السيد مانكديم ما يدل على أن النفع المساوي كالراجح في وجوب المشاطرة لأنه قال: إذا كان مريدا ضيافة الملك وعلم أن له في ضيافته نفعا يوازي ذلك الضرر فإنه يحسن بل يجب.

وجواب السؤال الثاني: كهذا لأن السيد إذا علم من حاله أنه يموت عطشا إن لم يشرب أو يلحقه ضرر يزيد على ضرر العتق وعلم من حال العبد أنه لا يسقيه إلا بذلك، فإنه يجب وإلا عاد على غرضه بالنقض.

صفحه ۸۲۶