مفتاح السعادة
مفتاح السعادة
وأما قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا ..} [آل عمران:178 ]الآية، فإنما نفى كون الإملاء نعمة، ولا يلزم منه نفي سائر النعم الدينية والدنيوية، وحينئذ فنقول: يجوز أن يكون ذلك الإملاء الذي يزدادون به إثما عقوبة لهم على تماديهم في المعاصي وعدم قبولهم الهداية وعملهم بالدلالة لما علم الله منهم عدم القبول كما قيل في الطبع والختم.
احتج الذين نفوا النعم الدنيوية بأن هذه النعم القليلة في الدنيا لما كانت مؤدية إلى الضرر الدائم في الآخرة لم تكن نعمة في الدنيا، بدليل أن من جعل السم في الحلوى لم يعد النفع الحاصل به نعمة لأجل ما يؤدي إليه من الضرر.
والجواب: أن هذه النعم ليست هي المؤدية إلى الضرر الدائم، وإنما المؤدي إليه الكفر الذي فعله المكلف بسوء اختياره، فإن قيل: فقد قواه بها على الكفر، قيل: بل قواه بها على الطاعة، ولذا وقع في الشرع التحذير من الاستعانة بنعم الله على معاصيه، وإنما لم يسلبه القدرة على الكفر لئلا يحصل الإلجاء المنافي للتكليف، وقد أجاب بعض أهل الجبر عن تشبيه نعم الدنيا بالحلوى المسموم، فقال: ليس هذا كمن جعل السم في الحلوى على ما ظن، وإنما هو كمن ناول شخصا حلوى لذيذة غير مسمومة ولكن ذلك الشخص لفساد مزاجه أو لاستعماله الحلوى لا كما ينبغي أفسد مزاج الحلوى أيضا وصيره كالسم القاتل بالنسبة إليه.
ولا يخفى أن هذه الحجة قد تضمنت الإقرار بالنعمة، وإنما ادعوا حقارتها، وعلى هذا فلا حجة لهم، وأما دعوى الحقارة فمخالفة لأدلة العقل والنقل، أما العقل فقد أوضحنا أنها عظيمة عند العقلاء في مسألة التحسين والتقبيح، وأما النقل فلأن الله تعالى قد وصف نعمه علينا بأوصاف تدل على عظمها وجلالتها.
صفحه ۸۱۶