661

فإن قيل: الجسم لا يخلو من العرض ولا يجب أن يكون عرضا مثله، فكذلك لا يجب أن يكون محدثا مثله، قيل: إنما وجب أن يكون محدثا مثله ولم يجب أن يكون عرضا؛ لأن ما ذكرناه إنما اقتضى اشتراكهما في الحدوث لا في الجنس، ألا ترى أن السواد والبياض إذا وجدا فإنما يجب اشتراكهما في الوجود دون الجنسية، وكذلك فإن التوأمين إنما يشتركان في الحدوث دون الجنسية لجواز كون أحدهما عربيا والآخر عجميا، فكذلك الجسم إذا لم يخل من المحدث فقد شاركه في حقيقة الحدوث ولم يشاركه في حقيقة العرضية، فلزم الأول دون الثاني، وإنما يلزم أن يكون الجسم عرضا لملازمته للعرض لو كانت العلة في كون العرض عرضا حدوثه؛ إذ لا تصح الملازمة بين أمرين إلا برابط وجامع بينهما، والمعلوم خلافه.

وأما قولهم: بحوادث لا أول لها، فمناقضة ظاهرة؛ لأن المحدث لا بد له من محدث وفاعل واجب التقدم عليه، وما تقدمه غيره لا يجوز أن يكون مما لا أول له، وأيضا لو كان الجسم قديما لوجب تقدمه على هذه الأعراض المحدثة؛ لأن من حق القديم أن يتقدم على كل محدث، كما أن من حق ما وجد منذ يومين أن يتقدم على ما وجد منذ يوم، وقد ثبت أن الجسم لا يتقدم الأكوان، فوجب أن لا يكون قديما فيجب كونه محدثا إذ لا واسطة، وأيضا إذا لم يخل منها فقد صار وجوده معها أو بعدها، وصار لوجوده أول كما أن لوجودها أول، وهو معنى الحدوث.

وأما قولهم بحدوث الآحاد دون الجملة، فبطلانه ظاهر؛ لأن صفتي القدم والحدوث ترجعان إلى الآحاد، فإذا كانت محدثة كانت الجملة كذلك.

قالوا: قد جاز حوادث لا آخر لها وهو حركات أهل الجنة في اللذة وأهل النار في العذاب، فليجز حوادث لا أول لها.

والجواب: إن كونها لا آخر لها لا يخرجها عن الحدوث، بخلاف كونها لا أول لها فهو يخرجها عنه، على أن أبا الهذيل قد كان التزم امتناع حوادث لا آخر لها.

صفحه ۶۶۷