محمد بن عبد الله بن سعيد بن أحمد السّلماني
محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السّلماني، قرطبيّ الأصل، ثم طليطليّ، ثم لوشيّ، ثم غرناطيّ. يكنى أبا عبد الله، ويلقّب بلسان الدين، وهو من الألقاب المشرقية. وزير، طبيب، أديب، مؤرخ، وفقيه مالكي أندلسي.
ولد بمدينة لوشة في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة ٧١٣ هـ.
نشأ لسان الدين بغرناطة، وتأدّب على شيوخها، وهم كثر، فأخذ عنهم القرآن، والفقه، والتفسير، واللغة، والرواية، والطب، وصناعة التعديل.
التزم خدمة عدد من السلاطين كأبي الحجاج والسروي محمد الخامس المعروف بالغني بالله وتعرف على علماء المغرب وأصحاب مناصبها كابن خلدون وغيره وبدأ فيها يكتب بعض آثاره المنظومة والمنثورة.
كما وتقلّد بعض المناصب الحكومية ولذلك كان يتوخى تسلم زمام الأمور على الإطلاق، فأخذ يقوم بإبعاد رقبائه، الأمر الذي كلّفه حياته. حتى أنه لم يكن يحتمل وجود صديقه الشهير عبد الرحمن ابن خلدون في غرناطة، إذ كان يقلقه اهتمام الغني بالله به.
ثم شعر ابن الخطيب بأنّ أعداءه، أخذوا يكيدون له عند الغني بالله، وتخيّل أن الغني بالله أخذ يميل إلى قبول وشاياتهم، فاتّصل سرًّا بسلطان المغرب أبي فارس عبد العزيز بن أبي الحسن المريني، فوعده بأن يؤمّن له الحماية اللازمة والرعاية الكافية، وأخذ منه عهدًا بالإقامة في كنفه. عندئذ استأذن الغنيّ بالله في تفقّد الثغور، وسار إليها في لمّة من فرسانه، ومعه ابنه عليّ، فمال إلى جبل طارق، فتلقّاه قائد الجبل، بناء على أمر سلطان المغرب المذكور أعلاه، فأجاز إلى سبتة في جمادى الآخرة من عام ٧٧٣ هـ، ثم توجّه إلى تلمسان فوصلها في التاسع عشر من رجب من العام المذكور، واستقبله السلطان أحسن استقبال، وأحلّه من مجلسه محل الاصطفاء.
وفي الشهر نفسه من السنة نفسها أرسل سلطان المغرب سفيره إلى غرناطة، فأتى بأسرة ابن الخطيب مكرّمة.
عندئذ وجّه إليه القاضي النباهي تهمة الإلحاد والزندقة والطعن في الشريعة والوقوع في جناب الرسول الكريم، بعد أن نعى عليه تدخّله في شؤون القضاء أيام ولايته القضاء، فأصدر فتوى بإحراق كتبه، فأحرقت في ساحة غرناطة، وصودرت أملاكه، واستحثّ سلطان المغرب على تسليمه لإجراء العقوبة عليه، فرفض. ولمّا توفي سلطان المغرب في ربيع الآخر من عام ٧٧٤ هـ فقد ابن الخطيب حاكمًا مخلصًا يحميه من أعدائه. وأخيرًا أودع في السجن، فطوقوا السجن ليلًا وقتلوه خنقًا. ثم أخرجوا جثته من القبر، وأشعلوا من حوله النار، فاحترق شعره واسودّت بشرته، ثم أعيد إلى القبر قبل أن يحترق، وذلك في ربيع الأول من العام ٧٧٦ هـ.
أفاد ابن خطيب من أبرز أساتذة ذلك العصر ولكنه لم يرب الكثير من التلامذة إذ لم يكن له مجلس درس.
آثاره
وله تأليفات كثيرة تربو على الستّين مؤلّفًا، ما بين كتاب ورسالة، منها: آداب الوزارة، الإحاطة في أخبار غرناطة، أوصاف الناس في التاريخ والصلاة، جيش التوشيح، رقم الحلل في نظم الدول، روضة التعريف بالحب الشريف، ريحانة الكتاب وغيرها.
صفحه نامشخص
مقدمة
أن كتاب «معيار الاختيار فى ذكر المعاهد والديار» لابن الخطيب من اطرف كتب المؤلف الشهيرة، فقد صاغه على هيئة مقامة ادبية ذات منهاج وأسلوب فنى انفرد به لسان الدين روعة وابداعا، مستهدفا وصف اهم المدن الاندلسية والمغربية جغرافيا واجتماعيا كما رآها وعاصرها فى منتصف القرن الثامن الهجرى (منتصف الرابع عشر الميلادى) . فلم تكن المقامة التقليدية لديه هدفا لذاتها من شعوذة واستجداء كما هى عند الحريرى والهمذانى وغيرهما، أو وعظ وتذكير بالدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب كما هى عند الزمخشرى والدمياطى وامثالهما، بل ان المؤلف كانت غايته علمية بحتة ابرزها فى صورة ادبية ثقافية ممتعة، وبالرغم من قيود السجع والمحسنات البديعية الا أن وصفه للبلدان فى مناحى شتى قد جاء فى صورة مشوقة تنبض حياة، وتتألق براعة. ويصف المقرى هذا الكتاب فيقول:
«وللسان الدين مقامة عظيمة بديعة، وصف بها بلاد الاندلس والعدوة، وأتى فيها من دلائل براعته بالعجب العجاب «١»» .
ولقد أورد ابن الخطيب «معيار الاختيار» ضمن مؤلفه الادبى الضخم «ريحانة الكتاب، ونجعة المنتاب» الذي ما يزال مخطوطا، وان كان بعض الباحثين قد قام بتحقيق اجزاء منه، فمن اشهر نسخ «الريحانة» التى ورد بها «المعيار» واقتضت طبيعة التحقيق والدراسة الرجوع اليها فى كل من المغرب (الرباط- فاس) وتونس والجزائر والقاهرة واسبانيا وروما:
١- نسختان بدار الكتب بالقاهرة.
الاولى: يوجد منها الجزء الاول وبعض الجزء الاخير فى مجلدين، وبخط مغربى، فى ثناياها ثقوب ونقص واضطراب، وهذان الجزآن مصوران بالفوتوستات عن النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة تونس، ويقعان فى ٣٠٩ لوحة، مسجلين برقم ١٩٨٧٥ ز.
1 / 3
الثانية: بها نقص يسير من الخطبة، اولها بعد الديباجة: «.. وسميته لتنوع بساتينه المنسوقة، وتعدد افانينه المعشوقة، بريحانة الكتاب، ونجعة المنتاب» .. الخ، وتقع هذه النسخة فى مجلدين كتبا بخط النسخ، وقد نقلا عن الجزاين المخطوطين المقيدين بدار الكتب المصرية برقم ٥٢٤ أدب س، ويقعان فى ٤٦٠- ٦٥٠ صفحة، مسطرتها ٢١ سطرا، وقد سجلا تحت رقم ٣٤٥٩ ز، وقد اتخذنا لهذه النسخة فى التحقيق الرمز «د» .
٢- نسخة الاسكوريال بمدريد.
وهى مسجلة برقم ٥٥٤ من فهرس الغزيرى، وهى نسخة جيدة للغاية قد كتبت بخط اندلسى باهت، وتقع فى ٢٨١ لوحة كبيرة، أعنى ٥٦٢ صفحة، بكل صفحة ٢٧ سطرا، وفى كل سطر ١٢ كلمة فى المعدل العام، وقد ذكر فى نهاية هذه النسخة أنها كتبت سنة ٨٨٨ هـ، وقد رمزنا اليها خلال البحث بالرمز «أ» .
٣- جزء مخطوط بمكتبة الفاتيكان الرسولية بروما، مكتوبة بخط مغربى وهى عبارة عن السفر الثالث من «الريحانة»، وعدد لوحاتها ١١٩ لوحة كبيرة، مسجلة برقم ٢٥٢.
وقد احتوى هذا السفر على «معيار الاختيار»، ورمزنا لهذا المخطوط اثناء التحقيق بالرمز «ف» .
٤- قطعة مخطوطة أخرى فى مكتبة الجزائر الوطنية من «الريحانة»، تشتمل على ١٨١ لوحة مزدوجة من القطع الكبير، مكتوبة بأكثر من خط معظمه قديم، والبعض منها- ولا سيما الوسط- قد أكمل مؤخرا، أو بتاريخ أحدث، وهذه النسخة تشتمل على النصف الثانى والاخير من «الريحانة»، حيث تبدا بالفصل الذي يحمل عنوان «جمهور الاغراض السلطانيات»، ويغلب على الظن أن هذه النسخة هى أقدم جزء من المخطوط رقم ٢٠١٠، وقد احتوى هذا الجزء- ضمن ما احتوى- كتاب «معيار الاختيار» موضوع الحديث، وقد رمزنا اليها بالرمز «ج» .
٥- وفى خزانة القرويين بفاس قطعتان من «ريحانة الكتاب»:
الاولى: تضم السفرين الرابع والخامس، وتقع فى ٩٩ لوحة مزدوجة من القطع الكبير، فى كل صفحة منها ٢٧ سطرا، قد كتبت بخط مغربى، وفى نهايتها تاريخ الفراغ من نسخها، وهو يوم الاحد قبل الزوال عام تسعة عشر
1 / 4
ومائة وألف (لم يذكر تاريخ اليوم أو الشهر) وهى برقم ٤٠- ٥٦٥، ورمزها «س» فى تحقيقتا.
أما القطة الثانية: فهى برقم ٣٠١١، وتنطبق عليها نفس أوصاف الاولى ولا سيما الخط.
٦- أما فى الخزانة العامة بالرباط (قسم المخطوطات والمحفوظات) فتوجد عدة نسخ من «الريحانة»، اظهرها واشهرها النسخة الكتانية المسجلة برقم ٣٣١ ك، وهى عبارة عن مجلد ضخم يتألف من ٦٠٩ صفحة من القطع الكبير، وفى كل صفحة ٢٥ سطرا، قد كتبت بخط مغربى واضح، وبها زيادات حديثة، أغلب الظن أنها ليست من انشاء ابن الخطيب، ولا سيما الجزء الخاص بذكر ملوك بنى امية والخلفاء من بنى العباس، وهو غفل من تاريخ كتابته، أما النسخة الاساسية للريحانة فتقع فى ٥٩٩ صفحة، وقد رمزنا اليها بالرمز «ك»
وتوجد بنفس هذه الخزانة غير التى ذكرنا- سبع نسخ من «الريحانة» قد اشتمل معظمها على «معيار الاختيار» وفيما يلى ما تضمن منها «المعيار»:
فأولها: نسخة كاملة عبارة عن مجلدين من الحجم المتوسط، ويشتمل أولها على ٢٢٢ لوحة، مكتوبة بخط مغربى واضح. والمجلد الآخر عبارة عن ٢١٥ لوحة من نفس الحجم، وقد كتب بنفس الخط المغربى الواضح. وهذه النسخة بمجلديها مسجلة برقم ٢١٩٥ بالمكتبة الملكية، وقد رمزنا اليها بالرمز «ل» اثناء التحقيق.
وثانيتها: تشتمل على السفرين الرابع والخامس من «الريحانة» وعدد لوحاتها ١٤٥ لوحة من الحجم الصغير، ورقم التسجيل ٦٠٠
وثالثها: عبارة عن النصف الثانى من «الريحانة»، وهى نسخة تحتوى على الاسفار الرابع والخامس والسادس، وتقع جميعها فى ١٨٦ لوحة.
ورابعها: نسخة ذات اوراق بالية وقديمة تشمل ٤٠ لوحة كبيرة، قد كتب على الصفحة الاولى منها «السفر الثالث من ريحانة الكتاب»، وفى نهاية اللوحة الاخيرة عبارة «كمل السفر الخامس» ورقم تسجيلها ٦٤٠٠.
1 / 5
هذا، ولا يغيب عن الفكر أن هناك نسخا أخرى من مؤلف ابن الخطيب «ريحانة الكتاب» فى حوزة المكتبات الخاصة، جلها فى المغرب الاقصى، ومعظمها قد انتظم «معيار الاختيار»، بيد أنه لا يتسنى للباحث أن يستدل ويطلع عليها فى سهولة ويسر لسبب أو لآخر، فمن ذلك على سبيل المثال النسخة الجيدة التى بمكتبه صديقى الاستاذ عبد الكبير الفهرى الفاسى بالرباط، وقد تصفحت سفرا خاصا ب «معيار الاختيار» فوجدتها نسخة قريبة الشبه خطا ونسخا من النسخة الاولى الخاصة بالمكتبة الكتانية التى أشرنا اليها فى ثنايا الحديث عن نسخ الخزانة العامة بالرباط.
ونرى- بهذه المناسبة- أن نذكر أن مؤرخ المملكة المغربية الاستاذ عبد الوهاب بن منصور قد أخبرنا فى صدد «معيار الاختيار» بأنه سبق أن رأى نسخة تكاد تكون فريدة منه لدى أحد شيوخ مدينة «تلمسان» منذ مدة طويلة، وترجع أهميتها لكون هذه النسخة قد اشتملت على وصف تلك المدينة وهو ما تنفرد به من دون النسخ الاخرى الخالية منها تماما، ويعزز رواية الاستاذ عبد الوهاب وجود وصف مدينة تلمسان فى كتاب «نفح الطيب» (ج ٩ ص ٣٤٠- ٣٤١) وهو لابن الخطيب كما اثبته المقرى، والاسلوب فى الوصف على نمط الاسلوب الذي انتهجه المؤلف فى «معيار الاختيار» من بداية بالاستفسار: «قلت فمدينة تلمسان؟ فاجابة من الراوى: قال:
«تلمسان مدينة جمعت بين الصحراء والريف، ووضعت فى موضع شريف..
الخ»، ثم يعقب وصفه للمدينة بما عودنا من ايراد أبرز المثالب كمثيلاتها، فقال: «.. ألا أنها بسبب حب الملوك، مطعمة للملوك. ومن أجل جمعها الصيد فى جوف الفرا، مغلوبة للامراء،.. الخ» .
حقا لقد كانت «تلمسان» يومئذ ضمن مملكة بنى مرين حينما امتد ملكهم الى الجزائر عام ٧٩٦ هـ (١٣٩٣ م)، واضحى ملك بنى زيان تابعا لبنى مرين، وبقى الامر كذلك حتى دب الضعف فى الدولة المرينية، واستبد بنو وطاس ووزراؤهم بالامر، فهيأ ذلك لبنى زيان أن يستقلوا مرة أخرى بأمر تلمسان، كما هيا مثل هذا الاستقلال للاشراف أن يظهروا فى مراكش بجنوب المغرب «١» .
وقد وفد ابن الخطيب فى ذلك الابان على مدينة تلمسان سفيرا ثم زائرا، وأخيرا عندما لجا فارا من الاندلس، حيث احتمى بظلال بنى مرين على ما
1 / 6
سنفصله فى الترجمة للمؤلف من بعد، الامر الذي يقطع بأن المؤلف أورد وصف تلمسان ضمن «المجلس الثانى» الخاص بأهم المدن المغربية، كما لا نستبعد من ناحية أخرى أن تأليف لسان الدين للمعيار كان زمن امتلاك المرينيين لتلمسان، وربما كان ذلك أواخر أيامه، حيث أتيحت له أكثر من فرصة لدراسة المدينة وسواها من مدن المغرب، ورسم صورة واقعية لها، كعهدنا به نحو المدن الاخرى التى تناولها بالوصف فى مؤلفه هذا.
لقد كنت تواقا الى رؤية تلك النسخة، عسى أن أتمكن من ازالة علامة الاستفهام التى ترتسم حيال بقية النسخ من «الريحانة» المشتملة على «معيار الاختيار» والتى خلت- للاسف- من وصف مدينة «تلمسان»، ومن يدرى فربما كانت نسخة الجزائر اقرب من غيرها الى عصر المؤلف أن لم تكن قد نسخت على أيامه، ولكن ما الحيلة وقد طوى الزمن صاحب النسخة، ولا ندرى بالتالى الى من آلت، هذا أن لم تكن قد انقرضت هى بدورها حيث لم نسمع عنها حتى يومنا هذا من قريب أو بعيد، ولم تتناولها من قبل فهارس المستشرقين، كما لم تشر اليها أقلام الباحثين من المهتمين بالتراث الاندلسى خاصة.
وعلى اى حال فلا مناص من الحاق وصف مدينة «تلمسان» فى نهاية «المجلس الثانى» للمدن المغربية، وذلك نقلا عن «نفح الطيب» بنصه، مقدرا للاستاذ عبد الوهاب بن منصور لفتته العلمية.
هذا، وقد نوهت اثناء عرض الكتاب ب «الفصل الثالث» أن النسخة التى رأيت أنها أوفى واحق بالاعتماد فى التحقيق- مع اعتبار بقية النسخ- هى نسخة الاسكوريال (٥٥٤) .
وقد رأيت استكمالا للفائدة، والماما بما قد يحتاجه الباحث أن اختط فى هذا التحقيق النحو التالى فى أربعة فصول:
الفصل الاول:
وقد أوردت فيه ترجمة تكاد تكون وافية بالغرض لحياة المؤلف «لسان الدين ابن الخطيب» .
الفصل الثانى:
وبه بيان لوجهة نظر بعض المستشرقين والباحثين تجاه ابن الخطيب.
1 / 7
الفصل الثالث:
وقد أوردت فيه دراسة خاصة ب «معيار الاختيار» فى عرض تحليلى من الناحيتين الادبية والتاريخية، واهمية الكتاب كعمل أدبى، ثم كوثيقة تاريخية هامة.
الفصل الرابع:
وقد أوردت فيه «المجلس الاول» من النص، وهو الخاص بوصف «المدن الاندلسية» .
الفصل الخامس:
وقد أوردت فيه «المجلس الثانى» من النص، وهو الخاص بوصف «المدن المغربية» . وفى ذيلا كلا «المجلسين» اثبت فى التعليق ما اقتضاه التحقيق، واستوجبته الدراسة.
ولا يسعنى- اذ أقدم هذا العمل كتحقيق جديد فى مجال التراث الاندلسى- الا أن أعترف بالفضل لكل سابق فى هذا الميدان، ولا سيما حيال من أسهموا بدراسة أو تحقيق لابن الخطيب ومؤلفاته فقد كانت بحوثهم عونا جديرا بالتقدير، كما اذكر لاستاذنا العلامة عبد الله كنون فضله فى هذا العمل، جزاه الله خير الجزاء، وانوه بسبق الزميل الدكتور أحمد مختار العبادى، معترفا بالاستفادة الحقة من دراسته فى هذا الموضوع.
أخيرا، آمل بهذا التحقيق- على هذه الصورة- لكتاب «معيار الاختيار» أن أكون قد أسهمت بلبنة فى صرح الذخائر الاندلسية.
والله أسأل أن يجد فيه رواد الفكر وعشاق التراث ما ينشدون أو يؤملون، أنه سميع قريب، وبالاجابة جدير.
وهو- سبحانه- ولى التوفيق
المحقق دكتور محمد كمال شبانه أستاذ التاريخ والحضارة الاسلامية بجامعات المغرب
القاهرة/ ٢- ٣- ٢٠٠٢
1 / 8
الفصل الأوّل حياة ابن الخطيب وآراء بعض المستشرقين حوله
1 / 9
ابن الخطيب ٧١٣- ٧٧٦ هـ (١٣١٣- ١٣٧٤ م)
ثانى اثنين أرّخا لعصر بنى الأحمر، فكشفا عن السلالة النصرية، حتى عصرهما الذي عاشاه جنبآ الى جنب، ولم ينل من علاقتهما الطيبة سوى التنازع على المزيد من السلطة، فى دولة طالما استبد فيها الحجاب والوزراء، وانتقصوا من سلطة السلطان، فكانت نهايتهم على يدى من نازعوهم أمور المملكة، بايعاز من صاحب سلطة قضائية أو ادارية، وهذا ما حدث بين ابن الخطيب، وبين قاضى الجماعة أبى الحسن على النباهى الجذامى، على نحو ما سنرى من خلال سيرة الأول.
هو لسان الدين أبو عبد الله محمد، بن عبد الله، بن عبد الله، بن سعيد، بن على، بن أحمد، السلمانى، نسبة الى سلمان، بقعة باليمن نزلت بها بعض القبائل القحطانية، وكانت أسرة ابن الخطيب احدى هذه القبائل، ومن اليمن وفدت الأسرة الى الأندلس، حيث اتخذت قرطبة مقرا لها.
ثم هاجرت الأسرة الى طليطلة- كما أخبر بذلك ابن الخطيب نفسه فى مقدمة «الاحاطة» - عام ٢٠٢ هـ ٨١٧ م، وهو العام الذي حدثت فيه ثورة أهل الربض بقرطبة، ضد أمير الأندلس الحكم بن هشام، حيث حرض الفقهاء أهل الربض ضد الأمير، ولكن الحكم قضى على الثورة فى الموقعة المشهورة
1 / 11
ب (موقعة الربض) وشنتت شمل القائمين بها، فنفى من نفى، وشرد من شرد، وغادر قرطبة جمهور من المعارضين وعديد من العلماء، ومن هؤلاء أسرة ابن الخطيب، حيث قصدت طليطلة، فبقيت بها قرابة قرن ونصف، ولما أحست أسرة المترجم له بالخطر المحدق بالمدينة- حيث أصبحت هدفا للأسبان فى أواسط القرن الخامس الهجرى (أوائل القرن الثانى عشر الميلادى) - بادرت بالنزوح عنها الى مدينة لوشة «١» مسقط رأس ابن الخطيب فى ٢٥ رجب ٧١٣ هـ (١٦ نوفمبر ١٣١٣ م) .
تربى ابن الخطيب فى أسرة عرفت بالاصالة والعلم والجاه، فقد كان أبوه عبد الله من أكابر العلماء والخاصة، كما أخبر بذلك ابن الخطيب نفسه، حيث ترجم لأبيه فى كتابه (الاحاطة فى أخبار غرناطة) فروى لنا أنه ولد فى (٦٧٢ هـ ١٢٧٣ م) واستقر حينا فى غرناطة، ثم عاد الى لوشة مقر الأسرة، ثم رجع الى غرناطة أخيرا، حيث التحق بخدمة السلطان أبى الوليد اسماعيل ملك غرناطة (٧١٣- ٧٢٥ هـ- ١٣١٤- ١٣٢٤ م) .
وقد كانت أسرته تحمل اسم «الوزير» الى أن جاء جده سعيد فعرفت باسم «الخطيب» .
ولما توفى هذا السلطان، وخلفه ابنه السلطان أبو عبد الله محمد، التحق والد ابن الخطيب بديوان كتابته أيضا، ثم بأخيه السلطان أبى الحجاج يوسف (٧٣٣- ٧٥٥ هـ- ١٣٣٣- ١٣٥٤ م)، حيث عاصر الكاتب الكبير، والرئيس العظيم أبا الحسن على بن الجيّاب، والذي منح من قبله لقب الوزارة، وأخيرا سقط عبد الله مع ولده الأكبر- أخى لسان الدين- قتيلا فى موقعة طريف الشهيرة، التى تمخضت عن فوز الأسبان على المسلمين من الأندلس والمغرب، وسقوط كل من طريف ثم الجزيرة الخضراء وقلعة بنى سعيد، وذلك فى جمادى الأولى ٧٤١. هـ (١٣٤٠ م) .
1 / 12