256

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

ویرایشگر

مأمون بن محيي الدين الجنان

ناشر

دار الكتب العلمية

ژانرها
Sufism and Conduct
مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
وَقَدْ قَالَ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» . فَالْجَوَابُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَشَفَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَ» وَهَذَا هُوَ التَّمَنِّي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى غَيَّرَ الشَّيْطَانُ اسْمَهُ فَسَمَّاهُ رَجَاءً حَتَّى خَدَعَ بِهِ الْجُهَّالَ.
وَقَدْ شَرَحَ اللَّهُ الرَّجَاءَ فَقَالَ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ) [الْبَقَرَةِ: ٢١٨] يَعْنِي أَنَّ الرَّجَاءَ بِهِمْ أَلْيَقُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ ثَوَابَ الْآخِرَةِ أَجْرٌ، وَجَزَاءٌ عَلَى الْأَعْمَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السَّجْدَةِ: ١٧، الْأَحْقَافِ: ١٤ وَالْوَاقِعَةِ: ٢٤] وَقَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٥] أَتَرَى أَنَّ مَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى إِصْلَاحِ أَوَانٍ وَشُرِطَ لَهُ أُجْرَةٌ عَلَيْهَا وَكَانَ الشَّارِطُ كَرِيمًا يَفِي بِالْوَعْدِ مَهْمَا وَعَدَ، وَلَا يُخْلِفُ، بَلْ يَزِيدُ، فَجَاءَ الْأَجِيرُ وَكَسَرَ الْأَوَانِيَ وَأَفْسَدَ جَمِيعَهَا ثُمَّ جَلَسَ يَنْتَظِرُ الْأَجْرَ، وَيَزْعُمُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ كَرِيمٌ، أَفَتَرَاهُ الْعُقَلَاءُ فِي انْتِظَارِهِ مُتَمَنِّيًا مَغْرُورًا أَوْ رَاجِيًا؟ وَهَذَا لِلْفَرْقِ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْغِرَّةِ.
قِيلَ «للحسن»: قَوْمٌ يَقُولُونَ: نَرْجُو اللَّهَ وَيُضَيِّعُونَ الْعَمَلَ فَقَالَ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ يَتَرَجَّحُونَ فِيهَا، مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَهُ وَمَنْ خَافَ شَيْئًا هَرَبَ مِنْهُ.
وَكَمَا أَنَّ الَّذِي يَرْجُو فِي الدُّنْيَا وَلَدًا، وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَنْكِحْ فَهُوَ مَعْتُوهٌ، فَكَذَلِكَ مَنْ رَجَا رَحْمَةَ اللَّهِ وَلَمْ يَعْمَلْ صَالِحًا وَلَمْ يَتْرُكِ الْمَعَاصِيَ فَهُوَ مَغْرُورٌ. فَكَمَا أَنَّهُ إِذَا نَكَحَ بَقِيَ مُتَرَدِّدًا فِي الْوَلَدِ يَخَافُ وَيَرْجُو فَضْلَ اللَّهِ فِي خَلْقِ الْوَلَدِ وَدَفْعِ الْآفَاتِ عَنِ الرَّحِمِ وَعَنِ الْأُمِّ إِلَى أَنْ يَتِمَّ فَهُوَ كَيِّسٌ. فَكَذَلِكَ إِذَا آمَنَ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ وَتَرَكَ السَّيِّئَاتِ وَبَقِيَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ يَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ، وَيَرْجُو أَنْ يُثَبِّتَهُ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَيَحْرُسَ قَلْبَهُ عَنِ الْمَيْلِ إِلَى الشَّهَوَاتِ بَقِيَّةَ عُمُرِهِ حَتَّى لَا يَمِيلَ إِلَى الْمَعَاصِي فَهُوَ كَيِّسٌ، وَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ فَهُمُ الْمَغْرُورُونَ بِاللَّهِ (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [الْفُرْقَانِ: ٤٢] .
مَوْضِعُ الرَّجَاءِ الْمَحْمُودِ:
فَإِنْ قُلْتَ: فَأَيْنَ مَوْضِعُ الرَّجَاءِ الْمَحْمُودِ؟ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَحْمُودٌ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي حَقِّ الْعَاصِي الْمُنْهَمِكِ إِذَا خَطَرَتْ لَهُ التَّوْبَةُ فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ: «وَأَنَّى تُقْبَلُ تَوْبَتُكَ»؟ فَيُقَنِّطُهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَجِبُ عِنْدَ هَذَا أَنْ يَقْمَعَ الْقُنُوطَ بِالرَّجَاءِ، وَيَتَذَكَّرَ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، وَأَنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ طَاعَةٌ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، قَالَ تَعَالَى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: ٨٢] فَإِذَا تَوَقَّعَ الْمَغْفِرَةَ مَعَ التَّوْبَةِ فَهُوَ رَاجٍ، وَإِنْ تَوَقَّعَ الْمَغْفِرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ فَهُوَ مَغْرُورٌ.
الثَّانِي: أَنْ تَفْتُرَ نَفْسُهُ عَنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَيَقْتَصِرَ عَلَى الْفَرَائِضِ فَيُرَجِّي نَفْسَهُ نَعِيمَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا وَعَدَ بِهِ الصَّالِحِينَ حَتَّى يَنْبَعِثَ مِنَ الرَّجَاءِ نَشَاطُ الْعِبَادَةِ فَيُقْبِلُ عَلَى الْفَضَائِلِ وَيَتَذَكَّرُ

1 / 259