151

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

ویرایشگر

مأمون بن محيي الدين الجنان

ناشر

دار الكتب العلمية

ژانرها
Sufism and Conduct
مناطق
سوریه
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
كِتَابُ آدَابِ السَّفَرِ
اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَافَرَ وَكَانَ مَطْلَبُهُ الْعِلْمَ وَالدِّينَ أَوِ الْكِفَايَةَ لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى الدِّينِ كَانَ مِنْ سَالِكِي سَبِيلِ الْآخِرَةِ، وَكَانَ لَهُ فِي سَفَرِهِ شُرُوطٌ وَآدَابٌ إِنْ أَهْمَلَهَا كَانَ مِنْ عُمَّالِ الدُّنْيَا وَأَتْبَاعِ الشَّيْطَانِ، وَإِنْ وَاظَبَ عَلَيْهَا لَمْ يَخْلُ سَفَرُهُ عَنْ فَوَائِدَ تُلْحِقُهُ بِأَعْمَالِ الْآخِرَةِ. وَإِلَيْكَ جُمْلَةٌ مِنْ أَقْسَامِ الْأَسْفَارِ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: السَّفَرُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَهُوَ إِمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا نَفْلٌ وَذَلِكَ بِحَسَبِ كَوْنِ الْعِلْمِ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا، وَذَلِكَ الْعِلْمُ إِمَّا عِلْمٌ بِأُمُورٍ دِينِيَّةٍ أَوْ بِأَخْلَاقِهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ بِآيَاتِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَقَدْ قَالَ ﵇: " مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ "، وَرَحَلَ " جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " مِنَ الْمَدِينَةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ عَنْ " عبد الله بن أنيس، حَتَّى سَمِعَهُ عَنْهُ، وَقَالَ " الشَّعْبِيُّ ": " لَوْ سَافَرَ رَجُلٌ مِنَ الشَّامِ إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ فِي كَلِمَةٍ تَدُلُّهُ عَلَى هُدًى أَوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى مَا كَانَ سَفَرُهُ ضَائِعًا ".
وَأَمَّا عِلْمُهُ بِنَفْسِهِ وَأَخْلَاقِهِ فَذَلِكَ مُهِمٌّ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَطَّلِعُ عَلَى خَبَائِثِ صِفَاتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَطْهِيرِ الْقَلْبِ مِنْهَا، وَالنَّفْسُ فِي الْوَطَنِ مَعَ مُوَاتَاةِ الْأَسْبَابِ لَا تَظْهَرُ خَبَائِثُ أَخْلَاقِهَا لِاسْتِئْنَاسِهَا بِمَا يُوَافِقُ طَبْعَهَا مِنَ الْمَأْلُوفَاتِ، فَإِذَا امْتُحِنَتْ بِمَشَاقِّ الْغُرْبَةِ وَقَعَ الْوُقُوفُ عَلَى عُيُوبِهَا فَيُمْكِنُ الِاشْتِغَالُ بِعُيُوبِهَا. وَأَمَّا آيَاتُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ فَفِي مُشَاهَدَتِهَا فَوَائِدُ لِلْمُسْتَبْصِرِ، فَفِيهَا قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ، وَفِيهَا الْجِبَالُ وَالْبَرَارِي وَالْبِحَارُ، وَأَنْوَاعُ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُسَافِرَ لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ مِنْ حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ، وَفِي الْحَدِيثِ: " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ".
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ لِلْهَرَبِ مِنْ سَبَبٍ مُشَوِّشٍ لِلدِّينِ وَذَلِكَ أَيْضًا حَسَنٌ، فَالْفِرَارُ مِمَّا لَا يُطَاقُ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. وَقَدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ السَّلَفِ ﵃ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ خِيفَةً مِنَ الْفِتَنِ. وَرُوِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قِيلَ لَهُ: " إِلَى أَيْنَ "؟ قَالَ: " بَلَغَنِي عَنْ قَرْيَةٍ

1 / 154