مطمح الأنفس
مطمع الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس
ویرایشگر
محمد علي شوابكة
ناشر
دار عمار
ویراست
الأولى
سال انتشار
١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م
محل انتشار
مؤسسة الرسالة
ژانرها
•Biographies of Writers, Poets, Grammarians, and Linguists
Islamic history
Biographies and Classes and Virtues
مناطق
•مراکش
امپراتوریها و عصرها
مرابطون
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الكتاب
أما بعد حمدًا لله الذي أشعرنا إلهامًا، وصير لنا أفهامًا، ويسر لنا بُرُود آداب، ونشرنا للانبعاث إلى إثباتها والانتداب، وصلى الله على سيدنا محمد الذي بعثه رحمة، ونبأه منّة ونعمة، وسلم تسليمًا: فإنه كان بالأندلس أعلام، فُتنوا بسِحر الكلام، ولقوا منه كل تحية وسلام، فشعشعوا البدائع وروّقوها، وقلّدوها بمحاسنهم وطوّقوها ثم هووا في مهاوي المنايا، وانطووا بأيدي الرزايا وبقيت مآثرهم غير مُثبتةٍ في ديوان، ولا مُجملةٍ في تصنيف أحد
1 / 147
من الأعيان، تجتلي فيه العيون وتجتني منه زهر الفنون، إلى أن أراد الله إظهار إعجازها، واتصال صدورها بأعجازها فحللت من الوزير أبي العاص حكم بن الوليد عند من رحّب وأهل وأعلّ بمكارمه وأنهل، وندبني إلى أن أجمعها في كتاب، وأدركني من التنشّط إلى إقبال ما ندب إليه، وكتابة ما حثَّ عليه فأجبتُ رغبته، وحلّيتُ بالإسعاف لَبَّته، وذهبتُ إلى إبدائها، وتخليد عليائِها، وأمليتُ منها في بعض الأيام، ثلاثة أقسام، القسم الأول: يشتمل على سرد غرر الوزراء وتناسق دُرر الكُتّاب والبلغاء. القسم الثاني: يشتمل على محاسن أعلام العلماء وأعيان القُضاة والفُهماء. القسم الثالث: يشتمل على سرد محاسن الأدباء، النوابغ النُجباء. وسميتها: مطمح الأنفُس ومسرح التأنُّس في مُلَح أهل الأندلس، وأبقيتها لذوي
1 / 148
الآداب ذِكرًا، ولأهل الإحسان فخرًا، يُساجلون بها أهل العراق، ويُحاسنون بمحاسنها الشمس عند الإشراق. والله أسأله إلهام المقصد، وانفراج بابه المُرصد بمنّه وكرمه.
1 / 149
القسم الأول
الوزراء
1 / 151
بسم الله الرحمن الرحيم
الحاجب جعفر بن عُثمان المُصحَفيّ
تجرَّد للعليا، وتمرَّد في طلب الدُّنيا، حتى بلغ المُنى، وتسوَّغ
1 / 153
ذلك الجنى، فسما دون سابقه، وارتقى إلى رُتبة لم تكن لبنيتِه بمطابقة فالتاح في أفياء الخلافة، وارتاح إليها بعطفه كنشوان السُّلافة، واستوزره المُستنصر، وعنه كان يسمع وبه يُبصر، فأدرك بذلك ما أدرك، ونصب لأمانيه الحبائل والشَّرك، واقتنى وادّخر، وأزرى بِمن سِواه وسَخِر، واستعطفه المنصور بن أبي عامر، ونجمه
1 / 154
غائر لم يَلح، وسِرُّه مكتوم لم يَبُح، فما عطف، ولا جنى من روضةِ دُنياه ولا قطف، فأقام في تدبير الأندلس ما أقام، والأندلس متغيرة والأذهان في تكيّف سعده متحيّرة، فناهيك من ذكرٍ خلّد، ومن فَخر تقلّد، ومن صعب راض وجَناح فتنة هاض، ولم يزل بنجَاد تلك الخلافة مُعتقَلا، وفي مطالعها مُنتقلا، إلى أن تُوفّي الحكم، فانُتقِض عِقدُه المُحكم، وانبرت إليه النوائب، وتسدّدت إليه من الخطوب سهام صوائب، واتصل إلى المنصور ذلك الأمر، واختص به كما مال بالوليد بن يزيد أخوه الغمر، وأناف في تلك الخلافة كما شبّ قبل اليوم عن طوقه عمرو، وانتدب
1 / 155
للمُصحَفي بصدر قد كان أوغره، وساءه وصغّره، فاقتص من تلك الإساءة وأغصّ حلقه بأي مَساءة، فأخمله ونكبه، وأرجله عمّا كان الدهر أركبه، وألهب جوارحه حَزَنا ونهب له مُدَّخرًا ومُختزنا، ودمّر عليه ما كان حاط، وأحاط به من مكروهه ما أحاط، وغير سنين في مهوى تلك النكبة، وجَوى تلك الكُربة، ينقله المنصور معه في غزواته، ويعتقله بين ضيق المُطبق ولهواته، إلى أن تكوّرت
شمسُه، وفاضت بين أثناء المِحن نفسُه، ومن بديع ما حُفِظ له في نكبته، قوله
يستريح من كُربَته:
صَبَرتُ على الأيّامِ لمّا تولّتِ ... وألزمتُ نفسي صبرها فاستمرّتِ
فَوَا عجَبًا للِقَلبِ كيفَ اعترافه ... وللنّفسِ بعد العزّ كيف استذلّتِ
1 / 156
وما النّفس إلاّ حيثُ يَجعَلُها الفَتَى ... فإنْ طَمِعَت تَاقَتْ وإلاّ تسلّتِ
وكَانتْ على الأيّامِ نفسي عزيزةً ... فلمّا رأت صَبْري على الذُّلِّ ذَلَّتِ
فَقُلتُ لها: يا نفسُ موتي كريمةً ... فقد كانت الدُّنيا لنا ثُمَّ ولَّتِ
وكان له أدب بارع، وخاطر إلى نظم القريض مسارع، فمن محاسن إنشاده، التي بعثها إيناس دهره بإسعاده، قوله:
لعَينيكِ في قلبي عليّ عيونُ ... وبين ضلوعي للشُّجونِ فنونُ
لَئِن كان جِسمي مُخلّقًا في يد الهوى ... فَحُبَّك عندي في الفًؤَادِ مَصونُ
وله وقد أصبح عاكفًا على حُميَّاه، هاتفًا بإجابة دُنياه، مُرتشِفًا ثَغر الأُنس متنسِّمًا ريّاه، والمُلكُ يغازله بطَرفٍ كحيل، والسَّعد
1 / 157
قد عقد عليه منه إكليل، يصِفُ لون مُدَامِه، وما تعرف له منها دون نِدَامه:
صفراءُ تَطرُقُ في الزّجاج فإن سَرَتْ ... في الجِسم دَبَّتْ مِثل صلٍّ لادغِ
خَفِيتْ على شُرَّابِها فكأنَّما ... يجدون رِيَّا مِن إناءٍ فارغِ
ومن شعره في السفرجل الذي قاله فيه مشبّهًا، وغدا به لنائم البديع منبهًا قوله يصف سفرجلة، ويقال: إنه ارتجله:
ومُصفَرَّةٍ تَختَالُ في ثَوبِ نَرجسِ ... وتَعبَقُ عن مِسك ذكيِّ التَّنفُّسِ
لها ريحُ مَحبوبٍ وقَسوةُ قَلبِهِ ... ولَونُ محبٍّ حُلَّةَ السُّقمِ مُكتسي
فصُفرّتُها من صُفرتي مستعارةٌ ... وأنفَاسُها في الطّيبِ أنفاسُ مُؤنسي
وكان لها ثوبٌ من الزُّغب أغبرُ ... على جِسم مصفرٍّ من التّبرِ أملّسِ
فلمّا استتمَّت في القَضيبِ شبَابها ... وحاكَت لها الأوراقُ أثوابَ سُندُسِ
مَدَدتُ يدي باللّطف أبغي اجتناءها ... لأجعلها رَيحانتي وَسطَ مَجلسي
1 / 158