مطلع البدور ومجمع البحور
مطلع البدور ومجمع البحور
السيد اللسان، العالم المحقق العابد المتأله، البليغ الحاوي لغرائب الخصال، صلاح بن عبد الخالق بن يحيى بن الهدى(1) بن إبراهيم بن المهدي بن أحمد بن يحيى بن القاسم بن يحيى بن عليان بن الحسن بن محمد بن الحسين بن جحاف - رضي الله عنه - هو السيد الجليل حسنة الأيام، وزينة الدنيا، الحاوي لكل غريب، والآتي بكل عجيب، وعلى تفنن واصفيه بوصفه يفنى الزمان، وفيه مالم يوصف. كان نادرة الوقت في جميع أنواع الخصال واتساعه للناس على أنواعهم واختلاف طباعهم، فأما العلماء فهو صاحب البيت ولا غرو أن يألفهم ويألفوه، فكان مدرسا في العلوم، وكان وحيدا في علوم الأدب وأيام الناس، يذكر به الأوائل من الحفاظ ومفردات اللغة، قلما يوجد له نظير كما أخبرني بذلك شيوخ يعول على نقلهم، وكان فقيها عارفا بالفروع مرحولا إليه، ومعولا عليه، سيما في (البحر الزخار)، فهو أستاذه، وكان كثير الولوع به، وكان في علم الطريقة إماما كاملا، وشرح التكملة بشرح عظيم(2) مفيد يدل على علو منزلته، وارتفاع فطنته، ولما اطلع على هذا الشرح مولانا وحيد العلماء الحسين بن القاسم أثنى عليه ومدحه، ورأيت بخط السيد صلاح الدين - رضي الله عنه - كتابا إلى شيخنا العلامة شمس الإسلام أحمد بن سعد الدين - رضي الله عنه - فيه ما حاصله أنه صدر هذا الشرح لتطلعوا عليه، وتصفحوا ما فيه، وكأني بفلان يقول: كذا يلمح إلى عبارات من سيدنا العلامة علي بن سعيد الهبل - رحمه الله - يلاطفه بها، ثم قال: قد فرقت عليكم هذا الشرح وكلفتكم به ثم انثنى إلى ما يعتاد من ملاطفته، فقال: وعند التحقيق هو شرح مفيد قد أثنى عليه فلان، وذكر سيدي الحسين - رحمه الله تعالى - وكان سيدنا شمس الإسلام إذا ذكر هذا السيد الجليل ذكر(3) عنه عجائب ونوادر وعلميات وأدبيات، هزليات وجديات، ويقول: أنا أعجب من ذلك الإنسان، يتسامح في مجلسه ويتواضع مع العامة، ويمر السوق لحاجته، ويقضي /209/ مهم أهله بنفسه، واضعا للكبر متواضعا متبذلا في الثياب، ومع ذلك لا يزال قدره في علو وسمو إذا دخل حضرة الإمام كان صدرها، قال: وكان يلاطف كل أحد بما يليق به، ويمزح المزح اللطيف، وكان سيدنا - قدس الله سره - من تلامذته، وأخذ عنه، وروى وما علمته توسع في الثناء على أحد(1) ما توسع في الثناء عليه، ويحكى من لطائفه ما يشرح القلوب، ومضى - رحمه الله - على حال الزهد والتقشف والتكفف يكتب بقلمه بالأجرة على أنه لو أراد أن يأخذ من الدنيا بغير وزن فضلا عن العدد لنال من الإمام المؤيد بالله والحسنين، ولم يكن له إلا خمسة أحرف من الإمام، ولا يطالب بغيرها، فإذا انقطعت راسل سيدنا - عادت بركاته - وعرف الإمام بعبارات تهز الأعطاف متحفة، وكان الإمام لا يود فراقه، ولا يسمح إلا أن السيد - رضي الله عنه - كان لا يرضى بغير الخمول والسكون في بلده بين أولاده على طريق قد راض نفسه عليها وعند التحقيق هي من أحسن الطرق وأسناها، فكان الإمام يطلبه عند المهمات لمشاورة وخوض فإذا اقضى الأمر الذي وصل له عزم ولا يبلغ الإمام التحية إلا من أثناء الطريق فتكون تلك أحد(2) الطرق المقبولة، وكان الإمام - عليه السلام- إذا وصل أرسل بفراشه وما يحتاج إليه فإذا عزم السيد على ما وصفناه توصا(3) إلى الإمام: فراشكم، اقبضوه، وهذه من عباراته - رضي الله عنه - ولولا خوف الإطالة لكتبت من الحكايات ما يتزين به التاريخ عند الأدباء، وكان له تلاوة ومواظبة على القرآن العظيم كلية، وتصميم على الحق وثبات عليه.
صفحه ۳۹۹