مطلع البدور ومجمع البحور
مطلع البدور ومجمع البحور
فلا ثم من ثوب ولا ثم ناقة ... ولا ثم لو تدرون من عود جرجم فجعل ابن برية يقول: معطل معطل يكررها، وقيل: إنما أنكر على المعيد هذا لأنه رمز منه عن آيات الرسل - عليهم السلام- وإنكارها يريد أنه ليس قميص يوسف بثوب ولا ناقة صالح من جنس الإبل، وكانت هذه من مناقب ابن برية - رضي الله عنه - لشدة عتو المعيد وطغيانه بأنه ما ورد اليمن من القاهرة إلا لذلك، كما روى يحيى بن مسلم الساري الصعدي عن مشائخه أن المعيد بعث داعيا إلى رأي الباطنية في اليمن،، وأنه كان يراسل ويراسل من القاهرة، وحكى من بعض ذلك أنه كتب إلى السلطان في القاهرة كتبا، وسفر بها رجلا فأدخل على السلطان هناك وسلم الكتب إليه ولم يجبه بشيء موافق لغرض المعيد، ثم إنه تصفح المعيد للجواب(1) فأنكر معناه لعدم الملائمة للبلاغة، فدعا بالرسول فقال: دخلت على مولانا؟ قال: نعم، قال: أفرأيت شيئا تنكره أو تستحسنه، ونادرة تعجبنا منها؟ قال لا: إلا أني رأيته استدعى بقلا في طبق فيه شيء من فجل فيه صغار جدا وكبار جدا وبين ذلك فتناول شفرة أو مقلمة فأخذ الكبار منه فقطع رؤوسها(2)، ثم شققها وبالغ في ذلك كاللعب، ثم رمى بها(3)، وتناول الصغار فأكل منها فسكت المعيد وفهم الرمز ويقال: إن ذلك إيماء إلى قتل الكبار ويأكل من أموال الرعايا الصغار، فمن هذا كان مقصده، فلله در ابن برية، وقد وقع مع المعيد جماعة ووقاهم الله شره كالحسن بن أبي الشوك الرجوي، والقاضي تبع، فإنه جاءه همدان يسألونه الدخول معهم إلى المعيد لينظر مقامه في العلم ، قال: تبع لست آتيه، لكني أكتب إليه مسائل إن أجابها فهو عالم، فوجه إليه بمسائل وأصحبهم دواة وقرطاس، فلما وقف المعيد على المسائل، قال: لا يحضرني من الورق شيء، فقالوا: معنا ورق، فقال: لا دواة، قالوا: هي هذه، قال المعيد: هذه سماقيات تبع والله لأن ظفرت به لأخرجن لسانه من قفاه، فاعتزله تبع خائفا فانتثر نظام ملك المعيد بمجرد بعده عنه، وهو لابس للصوف مقبل على العبادة، ولقد تعجب السلطان حاشد بن الضحاك من خوف المعيد من القاضي تبع، وقد دخل المعيد صنعاء بعشرة آلاف سيف، فلما قال المعيد للسلطان حاشد إنه يتوسل به إلى مسالمة القاضي، فقال له السلطان لمكان تعجبه فقال: نعم: قد أفسد ببعده أعمالي، قال أبو بكر محمد بن الحسين الكلاعي الزيدي، سألت المعيد عن نسبه، فقال: هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
قلت: وهذا نسب لم يثبته علماء النسب وسئل عنه القاضي أحمد بن عبد السلام، فلم يثبته لكنه، قال: هو من الري، وذكر أبو السعود علي بن أحمد بن جعفر بن الوليد الصنعاني المعروف بابن الآنف، وهو الذي رباه العلامة /148/ محمد بن أحمد اليامي أن المعيد المذكور اجتمع بعلي بن محمد التهامي الشاعر المداح لآل دعبل بن الجراح الطامين ونحوهم بمصر في وزارة آل العربي بالقاهرة المعربة، وأنهما اعتقلا معا بخزانة البنود وهو السجن الأعظم الذي يقال فيه المثل المشهور داخلها مفقود وخارجها مولود، فخرج المعيد وقد درس مذهب القوم.
قلت: وكان بارعا في الأدب، حكى نشوان أنه كان واقفا بالمنقب وحاول الزيدية يأتونه فإذا أتاه أحد أدناه وقربه، وإذا أتاه رجال الباطنية أقصاهم، وينشد مشيرا إلى ما يفعله:
ألا رب نصح يغلق الباب دونه ... وغش إلى جنب السرير يقرب
وقد ذكرنا من أحواله شيئا في ترجمة إسماعيل الأصبهاني، ثم الصنعاني - رحمه الله -.
صفحه ۲۷۷