656

قلت: وذكرت بهذه القصة حكايات منها ما ذكرني به التطارش، ومنها ما ذكرني به الحرة(1)، فأما التطارش فكان شيخ آل الرسول في زمانه السيد أمير الدين بن عبد الله بن نهشل - عادت بركته - فيه طرش ليس بالكثير، وكان يظهر من نفسه أكثر، وحكمة دعوى هؤلاء الفضلاء لكثرة التطارش هي(2) السلامة من الخوض في المباحات وغيرها، ويعرض عنهم كما كان السيد الجليل أحمد بن الهادي بن هارون - رحمه الله - يقول: تأملت لنفسي أي الحواس أرضى بذهابها(3) لو أن الله - سبحانه، وله المنة - خيرني(4)، فما وجدت أحسن من الطرش، وفي هذا الطرش معونة على الحلم والإعراض عن الجاهلين، كما كان بعض آل محمد عليه(5) السلام يقول إنه يسمع السب من الرجل فيستتر بالسارية /107/، نعم فكان السيد أمير الدين يدعي ذلك، فاتفق أنه بقرية حبور كان يقرأ عليه الإمام المؤيد بالله وأعيان الزمان في (العضد شرح المنتهى)، فدار بين أولئك الأعيان وبين الإمام المؤيد بالله - وهو إذ ذاك لما يدع إلى نفسه - خوض في نفقة السيد أمير الدين من أي محل تعين، فقال القاضي الحسن العيزري أو غيره من محل فلان بصوت خفي، وظنونهم قاضية بأن السيد ما يسمع ذلك، فقال السيد - رحمه الله -: أما محل فلان فلا يعينوا منه شيئا(6)، لم يبق عند العامل بتلك الجهة شيء، فعجبوا لذلك - رحمهم الله - وكان بعض الفضلاء يتمثل فيه - رحمه الله -:

أصم عن الشيء الذي لا يريده ... وأسمع خلق الله حين يريد

وقد ذكر الجاحظ في (البيان والتبيين) أن الطرش مما يكمل به سؤدد الرجل العظيم.

قلت: ما ذاك إلا للإغضاء والسلامة من مخازي الحمقاء، فكم للسان من عثرة لا تقال

صفحه ۱۹۲