597

الكتب والكتائب، هاشميا قاسمي الذوائب، ولما كانت الوقعة بين الغز والأمراء المنصوريين (بعصر) في سنة ثلاث وعشرين وستمائة أظنه حضر الواقعة(1)، وكان من طيورها الباقعة(2) وهي آخر قضية للناصر بن المنصور بالله - عليه السلام- مع الغز وغيرهم، وهي من كبار الواقعات وحديثها يطول، وشرحها يهول، تجلت عن قتلى من الجانبين إلا أنها كانت الدائرة على الأمراء لتشتت أصحابهم وذلك فيما رواه الأثبات في صفتها باسطين للقول، وأنا أختصره أنه في سنة ثلاث وعشرين وستمائة(3)، وكان الأمير الناصر سيف الإسلام مقدم الأمراء بصعدة وعنده أخواه الأمير المتوكل على الله وعلى جمال الدين واجتمعت قبائل نزار وقحطان عند الناصر، ففرق لهم الأعطية والأرزاق والأكسية السنية، ثم نهض من صعدة في أربع عشرة من رجب من السنة المذكورة، وقد كان في بعض أيامه أحضر أخاه المتوكل علىا لله أحمد وجمال الدين سليمان بن إبراهيم والقاضي محمد بن عمر، وكان من كبار أهل دولته، فتكلم معهم وقال: قد اجتمع هذا العسكر ولا أدري ما ترون، فابتدأ أخوه أحمد الكلام، وقال: الصواب أن تنهض بعسكرك إلى (حوث)، وتجتمع بأصحابك، وتنهض على اسم الله فتقتل غز حرض ومن بها، وتؤم المخالب فتقبل من تهايم المهجم وتحوز غنائم تهامة بأسرها، ويجتمع معك بنو سليمان فلم يكن متخلف منهم أحد، فإن اجتمع الغز إلى زبيد كنت مخيرا في قصدهم أو بعضهم إلى صنعاء فتقبضها على أحسن الأشياء، وتكلم الأمير جمال الدين، وقال: الصواب يا مولانا أن تسير إلى مغارب (مأرب) و(بيحان)، وتقبض منها الأموال وتنظر الغز ما يكون أمرهم، فإن رجعت أمورهم، وصلحت أحوالهم كنت قد أصلحت تلك الجهات بأسرها، وإن تضعضعت أحوالهم قصدتها وأنت أكثر مالا ورجالا، فلم يكن /74/ ليتخلف عنك أحد من أهل المشرق، وتكلم القاضي محمد بن عمر وقال: يا مولانا الصيد كل الصيد في جوف الفرا إذا ملكت صنعاء دانت لك البلاد تهامة ومأرب وغيرها، فجنح الأمير إلى رأيه فمضى على ذلك وتخلف الأمير سليمان لوجع أصابه، فلم يحضر تلك الحركة فسار الأمير حتى بلغ حوثا وقد اجتمع فيها إخوته المقدمون أولاد الإمام المنصور بالله - عليه السلام- والأمير صارم الدين وهاس بن أبي هاشم ومخلص الدين جابر بن مقبل، وكبار بكيل وحاشد، فبات بها ليلتين وقد كان صنوه المتوكل جاء من طريق النقع(1) عند خروجه من صعدة، فحط (ببهمان) منتظرا لصنوه، فأقام الناصر بحوث ليلتين، ثم نهض بمن معه مبادرين حتى وصل (الجنات) وبها ستقر، فهرب إلى صنعاء، وطرح أمواله وجعل لبني صاع جعالات طلبا للسلامة، فأمر الأمير بهدم الجنات وخرابها، ثم قدم إلى محطة الجنات عمه الأمير ذو الشرفين يحيى بن حمزة في عساكر جمة، والشيخ سيف الدين منصور بن محمد ثم سار الأمير بمن معه، وعلى مقدمته الأمير المتوكل حتى حط بحاز، ثم نهض فحط بحصن الرئيس(2) من مخلاف صدا، ثم ضرب خيامه في اليوم الثالث برأس نقيل عصر، وحينئذ أقبل الغز وكانوا في حصن (ذروان) بحقل، فانحدر الأمير في أربعمائة فارس وأربعة آلاف راجل، وقد صف الغز للحرب دون مدينة صنعاء جيشا واسعا ميمنة وميسرة وقلبا، وتركوا الرجال بين الخيل، فعبأ الأمير الناصر الجنود فجعل الأمير ذا الشرفين على المقدمة والأمير المتوكل على الميمنة، وصنوه الأمير علي بن عبد الله على الميسرة، وهو في القلب، وجعل جند ظفار المحروس ومن ينضاف إليهم ساقه وسار على التعبية حتى قرب من مدينة صنعاء وصفوف الغز مما يلي مسجد الحرة إلى سور المدينة وتوافق الناس وكل ينتظر من قرينه الدنو إليه ليقع التمكن مما يريد، وظلوا على ذلك إلى أن قرب الليل وخاف الناس فوت الفريضة ولم يقع قتال إلا ما لا يذكر لقلته، فاجمع الأمراء على الرجوع إلى محطتهم وأن يعاودوا القوم للقتال، فلما آذنوا الناس بالانصراف رجعوا على غير تعبية فارفضوا في القاع، فلما عاينهم الغز غنموا الفرصة فساروا على تعبيتهم سيرا سريعا حتى دنوا من الناس، فصاح الأمير في الناس بالرجوع فلم بجبه أحد وخف الناس فثبت مكانه في إخوته وكبراء دولته وأنفار من جنده، فدارت عليهم رحا الحرب واختلطوا، وأطعنوا بالرماح، ثم اضطربوا بالسيوف والغمد وقتل من جيل الغز أربعة وعشرين فرسا بالرماح، ولم ينح إليهم أحد من العسكر، فتولى الأمير وإخوته القتال والشيخ مخلص الدين جابر بن مقبل فرمي حصان الشيخ بنشابة قتلته في موضعه فحال العدو عليه وقتل شهيدا - رحمه الله تعالى - وقتل ساعتئذ الشريف سالم بن علي بن محسن المحسني العباسي والقاضي محمد بن عمرو بن علي العمراني ومسعود بن مقبل الزنجي مولى الإمام المنصور وبلبان(1) التركي مولى قتادة بن إدريس الحسني ويحيى بن مرثد المالكي الخولاني، وأصيب حصان الناصر بنشابتين، وأصيب عينه اليسرى بلمخة نشابة لم يذهب بصرها، وأصيب حصان الأمير المتوكل المعروف بالضرب وهو حصان /75/ لا يعلم في وقته مثله، فثقل عن الحركة فتولى القتال عليه أخوه علي فوقع فيهما طعن كثير بالرماح وصوائب بالسهام، ووقع في فرس الأمير على سهم قتلها وأصيب هو بنشابة، فنفذت إلى صدره (فراغ)(2) بحمد الله، فلم يزل(3) يقاتل على أخيه حتى وقف الضرب حصان أحمد، فترجل وركب أحدهما رديفا مع رجل من الجند حتى تعلق بالجمل وأبلى أولاد الإمام ذلك اليوم المشهود وجرحوا بجراحات، والحاضر منهم ومن أهل بيتهم إبراهيم وسليمان والحسن وموسى وعبد الله ويحيى ابنا الحسن بن حمزة وعلي بن يحيى بن حمزة والأمير صارم الدين وهاس بن أبي هاشم والشيخ سيف الدين منصور بن محمد وجماعة من الشرفاء الموسويين والحمزيين والعلويين وأيبك فطيس وأبو حسن التركيان موليا الشريف قتادة مع كبار الجند الهمدانيين والحشيشيين، فلم يكن موقفهم يومئذ بذميم - أحسن الله جزاهم - فقال الشريف حسن بن نزار صاحب الترجمة هذه الكلمة

عاداتك الصبر والخطي مشتجر ... يا خير من قلدته أمرها مضر

لولا عزائمك اللاتي عرفت بها ... ما كان للدين عن أعدائه وزر

لكن حميت ببيض الهند حوزته ... والشاهدان بذاك السمع والبصر

أما المديح فلا نأتي بأيسره ... لأن كل مديح فيك مختصر

ماذا نقول من الإسهاب في رجل ... آباؤه برسول الله تفتخر

وما الزيادة في وصف امرئ نزلت ... في جده وعلى آبائه السور

تالله ما غاصت الأفكار في طرف ... من عز مجدك إلا غاصت الفكر

لكن أردنا نؤدي بعض مفترض ... من التهاني فلا ألوت بك الغير

كل الأنام سليم ما سلمت لهم ... وما بقيت فذنب الدهر مغتفر

عليك للمجد أن تبني قواعده ... وما عليك إذا لم يسعد القدر

إن النبوءة أعلى كل منزلة ... قدرا فرنقها التنغيص والكدر

هل كان مثل رسول الله من أحد ... أو كان يحكيه في أوصافه بشر

فكان يوم حنين ما علمت به ... من البرية لولا معشر صبروا

هون عليك وإن نابتك نائبة ... فالجرح مندمل والكسر منجبر

والدهر يومان يوم مشرب أسن ... مر المذاق ويوم مشرب خضر

إلى آخر قصيدة قالها أجاد فيها وقد أطلنا بذكر القصة هذه لما نعرب به من اصطبار الأمير الناصر واخوته.

الحسن بن نسر [ - بعد سنة 75 ه ] العلامة الحسن بن نسر، هو العلامة الكبير الفصيح العبادة الحسن بن نسر، كان

صفحه ۱۲۹