مصابيح الدرر في تناسب آيات القرآن الكريم والسور
مصابيح الدرر في تناسب آيات القرآن الكريم والسور
ناشر
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
شماره نسخه
العدد١٢٩-السنة ٣٧
سال انتشار
١٤٢٥هـ
ژانرها
التَّرْتِيب، وَمن ذَلِك كَلَامه على
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الْأَنْعَام / ٨٤: ٨٦) حَيْثُ قَالَ: «فَإِن قيل: رِعَايَة التَّرْتِيب وَاجِبَة، وَالتَّرْتِيب إِمَّا أَن يعْتَبر بِحَسب الْفضل والدرجة، وَإِمَّا أَن يعْتَبر بِحَسب الزَّمَان والمدة، وَالتَّرْتِيب بِحَسب هذَيْن النَّوْعَيْنِ غير مُعْتَبر فِي هَذِه الْآيَة.. فَمَا السَّبَب؟ !
قلتُ: عِنْدِي فِيهِ وَجه من وُجُوه التَّرْتِيب، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - خصَّ كل طَائِفَة من طوائف الْأَنْبِيَاء بنوعٍ من الْإِكْرَام وَالْفضل، ثمَّ بيَّن أَن كل مَجْمُوعَة من مجموعات الْآيَة تتصف بِصفة مُعينَة. وَلأَجل ذَلِك كَانَ ذكر الْأَنْبِيَاء ...» (١) .. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يعْتَبر قَضِيَّة التَّرْتِيب - دَاخل الْآيَة، ثمَّ بَين آيَات السُّورَة مجتمعة - أعظم وَجه من وُجُوه الإعجاز القرآني، يَنْبَغِي تدقيق النّظر فِيهِ.
هَذَا مَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْجَانِب فِي تَفْسِير الرَّازِيّ بإيجاز بَالغ.
وَجُمْلَة القَوْل فِي ذَلِك أَن الرَّازِيّ - كَمَا يَقُول د. محسن عبد الحميد - أكمل مَا بدأه الزَّمَخْشَرِيّ من تطبيق مَنْهَج الشَّيْخ الإِمَام عبد القاهر الْجِرْجَانِيّ الْبَيَانِي، فِي إِدْرَاك مَوَاطِن الإعجاز، وَالْوُقُوف على دلائله، بل وَزَاد على الزَّمَخْشَرِيّ فِيمَا تكلم بِهِ فِي بعض الْأُمُور الَّتِي لم يستوعب الزَّمَخْشَرِيّ القَوْل فِيهَا، أَو لم يتَطَرَّق إِلَيْهَا أصلا، أعانته على ذَلِك عقلية فذة، وقدرة استنباطية فريدة، وذوق بلاغي رفيع، مِمَّا هيأ لَهُ إِضَافَة جَوَانِب مهمة على مَا بحث عُلَمَاء البلاغة
_________
(١) الْمصدر السَّابِق، ١٣ / ٦٥
1 / 62