603

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

ویرایشگر

محمد أمين الصناوي

ناشر

دار الكتب العلمية - بيروت

ویراست

الأولى - 1417 هـ

وحي من الله تعالى إن الذين لا يؤمنون بآيات الله أي لا يصدقون أنها من عند الله بل يسمونها افتراء أو معلمة من البشر لا يهديهم الله إلى طريق الجنة ولهم في الآخرة عذاب أليم (104) أي بل يسوقهم إلى النار إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله أي إن المفتري هو الذي يكذب بآيات الله ويقول: إنها افتراء ومعلمة من البشر وهذا رد لقولهم: إنما أنت مفتر وقلب للأمر عليهم ببيان أنهم هم المفترون وأولئك هم الكاذبون (105) أي الكاملون في الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيب آيات الله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه أي من تلفظ بكلمة الكفر من بعد إيمانه به تعالى فعليه غضب من الله. «فمن» موصولة مبتدأ وخبره محذوف لدلالة الخبر الآتي عليه إلا من أكره على التلفظ بالكفر فتلفظ به بأمر لا طاقة له به كالتخويف بالقتل وكالضرب الشديد، وكالإيلامات القوية مما يخاف على نفسه أو على عضو من أعضائه وقلبه مطمئن بالإيمان أي والحال أن قلبه لم تتغير عقيدته وهذا دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب ولكن من شرح بالكفر صدرا أي ولكن من اعتقد الكفر وانشرح به قلبا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) .

روي أن قريشا أكرهوا عمارا وأباه ياسرا وأمه سمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين وضربها أبو جهل بحربة في فرجها، فماتت وقتل ياسر. وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوا عليه فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه» «1» . فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينه.

وقال مالك: إن عادوا لك فقل لهم ما قلت فنزلت هذه الآية ذلك أي الكفر بعد الإيمان، بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة أي بسبب أنهم رجحوا الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107) أي وبأنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر أولئك الموصوفون بتلك القبائح الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فأبت عن التأمل في الحق وإدراكه وأولئك هم الغافلون (108) عما يراد بهم في الآخرة من العذاب، فلا غفلة أعظم من الغفلة عن تدبر عواقب الأمور لا جرم أي حق أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) حيث صرفوا أعمارهم فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد ثم إن ربك للذين هاجروا إلى المدينة أي ناصرهم من بعد ما فتنوا أي عذبوا. نزلت هذه الآية في عياش بن ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة أو من أمه وفي أبي

صفحه ۶۰۸