وقلما يشاهد هذا في محادثات المرأة، ولو تلاحقت بين ساعة وساعة؛ لأن الساعة التي هي فيها تستولي عليها فلا يزل لسانها بالإشارة إلى غيرها، ولأنها تستعين هنا بطبيعتين أصيلتين فيها، وهما طبيعة النفاق وطبيعة الاستغراق.
ولم يزل التناقض بابا من أبواب الحيرة واختلال الحساب، ولكن التناقض الذي يفهم سببه يريح من الحيرة على الأقل عند البحث عنه والتفكير فيه، وإن لم تكن به راحة من معاناة النقائض وابتلاء متاعبها، ولا عتب في معظمها على المرأة؛ لأنها لا تقصدها كلما لجأت إليها، وقد تكون هي ضحية من ضحاياها.
الفصل الخامس
مكانة المرأة
ربما كانت الحضارة المصرية القديمة هي الحضارة الوحيدة التي خولت المرأة «مركزا شرعيا» تعترف به الدولة والأمة، وتنال به حقوقا في الأسرة والمجتمع، تشبه حقوق الرجل فيها، ولا تتوقف على حسن النية من جانب الآباء والأبناء والأقربين.
أما الحضارات الأخرى فكل ما نالته المرأة فيها من مكانة مرضية، فإنما كانت تناله بباعث من بواعث العاطفة على حاليها من حميد وذميم.
كانت تنال المحبة من بنيها بعاطفة الأمومة التي يحسها الأبناء نحو أمهاتهم، ويعم الإحساس بها طوائف من الأحياء لم تبلغ مبلغ الإنسان من الفهم والخلق، ولم يكن لها عرف أدبي في حياتها الاجتماعية، وقد يبدو هذا الإحساس في الحيوان الأعجم على صورة تلفت النظر إليه ويجعلها ذوو البصيرة الفنية رمزا للأمومة في أجمل مظاهرها الفطرية، كما صنع المصور النابغ «ه.و. دافيز» في صورة «الفرس والمهرة» التي سماها «الأمومة» واختارها من بين مظاهر العواطف الحيوانية التي لا تحصى لتمثيل هذا المعنى والرمز إليه بالأشكال المنظورة.
وربما نالت المرأة حقا من الاهتمام بها في عصور الترف والبذخ التي تنتهي إليها الحضارات الكبرى، وهي لا تنال هذا الحظ من الاهتمام لتقدم الحضارة وارتقاء الشعور بين أصحاب تلك الحضارات، ولكنها تناله لأنها - في عصور الترف والبذخ - مطلب من مطالب المتعة والوجاهة الاجتماعية، وقد نالت هذا الحظ من الاهتمام في أوج الحضارة الرومانية مع بقائها قانونا وعرفا في منزلة تقارب منزلة الرقيق من وجهة الحقوق الشرعية والنظرة الأدبية، وكانت القيان والجواري الطليقات ينلن من ذلك الاهتمام أضعاف ما تناله حرائر النساء من الأزواج والأقرباء، ووضح هذا الفارق في المعاملة بين الحرائر والجواري الطليقات وأشباههن، من نسوة الأندية ودور الملاهي في كل حاضرة آهلة بهن من حواضر اليونان والرومان والبلدان الشرقية.
وليس هذا الاهتمام الذي تناله المرأة بفضل عواطف الأمومة، أو بإغراء المتعة والترف، مكانة «شرعية أو عرفية» تنسب إلى آداب المجتمع وقوانينه، فغاية ما فيها أنها شعور يتقارب فيه الأحياء من الناطقين وغير الناطقين.
أما المكانة التي تحسب من عمل الآداب والشرائع أو الحضارات، فقد كانت معدومة في عصور الحضارة الأولى جميعا، ما خلا حضارة واحدة، هي الحضارة المصرية.
صفحه نامشخص