334

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل

ناشر

دار الكتب العلمية

محل انتشار

بيروت - لبنان

الْعَالَمِينَ) بإضافة اسمه سبحانه (إلى العالمين) ليحصل منه أنه مالك الكل وأنهم تحت قهره تعالى وفي قبضته، وعدل عن الإضافة إلى ضمير الخطاب إذ لم يقصد هنا ما تقدم من التلطف، ونظير الوارد في هاتين الآيتين قوله تعالى في سورة الأنعام: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) (الأنعام: ١٣٧)، فقف على ذلك في سورة الأنعام، وقد تبين جليل النظم وعلي التناسب في كل ما تقدم، وأن عكس الوارد في هذه الآي لا يناسب، والله سبحانه أعلم.
الآية الخامسة من سورة طه: غ - قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا) (طه: ٥٣)، وقال في سورة الزخرف: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الزخرف: ١٠)، للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف بين سلك وجعل؟ ووجه اختصاص كل من السورتين بما ورد فيها؟
والجواب عن ذلك: أن العبارتين في السورتين معناهما متقارب وهو ما هيأه سبحانه لعباده من المذكور في قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) (الملك: ١٥)، والمراد (بسلك) وجعل ما خلق وذلل سبحانه منها وهيأه لتصرفنا في معايشنا ومنافعها.
والجواب عن الثاني أن اختصاص كل واحدة من العبارتين بموضعها في آية طه مقصود بها التلطف بالدعاء إلى الله ﷿ على ما تقدم من أمره تعالى لموسى وهارون، ﵉، في قوله: «فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) (طه: ٤٤)، فلما بني الكلام على هذا وأعقب بقوله: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ) (طه: ٥٣ - ٥٤)، - ولا إشكال في أن هذا من التلطف والرفق في الدعاء - ناسب ذلك العبارة بسلك عما أنهج تعالى من السبل ولاطرق لمرافق العباد ومصالحهم، وهي منبئة عما تعطيه جعل في الآية الأخرى مع زيادة الوضوح وكمال التهيئة، فهي أنسب لما قصد في هذه السورة، تقول: منهج سالك أي واضح، ولو قلت مجعول لم يعط هذا المعنى من الوضوح. أما آية الزخرف فمبنية على توبيخ من كفر من العرب وترقيعهم، ألا ترى قوله سبحانه: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) (الزخرف: ٥)، وقوله إخبارًا عن مكذبي الأمم: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الزخرف: ٧)، وقوله: (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا) (الزخرف: ٨) أي من هؤلاء الذين

2 / 340