248

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل

ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل

ناشر

دار الكتب العلمية

محل انتشار

بيروت - لبنان

السجدة، إلا أن حذف النون في يكون من فصيح كلامهم ما لم تكن متحركة، فإن كانت متححركة لم تحذف لقوتها بالحركة وإن كانت عارضة كقوله تعالى: (لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ...) (البينة: ١)، ولا تحذف هذه إلا في الشعر نحو قوله:
لم يك الحق سوى أن هاجه رسم دار قد تعفَّى بالسررْ
فورد في سورة هود على ما اعتمدوه من تخفيف هذا اللفظ ليناسب بذلك إيجاز الكلام المتعلق بقوله: (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) (هود: ١٧)، والمتصل به تمامه تمام معنى المقصود وذلك قوله: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (هود: ١٧)، وكذلك قوله في آخر السورة: (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ) (هود: ١٠٩) إلى قوله: (غَيْرَ مَنقُوصٍ) (هود: ١٠٩).
وورد في سورة السجدة على أصل الكلمة قبل حذفها فقيل: (فَلا تَكُنْ)، ليجريذلك مع ما ورد في هذه السورة من طول الكلام المتعلق بقوله (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) (السجدة: ٢٣)، ألا ترى أن الكلام واحد إلى قوله: (فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (السجدة: ٢٥)، فنوسب الإيجاز بالإيجاز والطول بالطول والله أعلم.
الآية الثالثة منها قوله تعالى: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) (هود: ٢٢)، وفي سورة النحل: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ) (النحل: ١٠٩)، للسائل أن يسأل عن وجه تخصيص آية هود بقوله: (الأَخْسَرُونَ) وآية النحل (بقوله) (الْخَاسِرُونَ)؟ (وهل كان يمكن العكس)؟
والجواب: أن آية هود تقدمها (ما يفهم) المفاضلة، ألا ترى أن قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ) (هود: ١٧)، الآية يفهم من سياقها أن المراد: أفمن كان على بينة من ربه كمن كفر وجحد (وكذب) الرسل؟ ثم أتبع هذا بقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) (هود: ١٨)، فهذا صريح مفاضلة، ثم أستمرت الآي في وصف من ذكر وعرضهم على ربهم وقول الأشهاد: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (هود: ١٩، ١٨) إلى ذكر مضاعفة العذاب لهم، وأستمر ذكرهم إلى قوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) (هود: ٢٢)، فناسب لفظ الأخسرين بصيغة التفاضل، ومقصود التفاوت ما تقدم مما يفهم ذلك

2 / 254