مجمع البحرين لليازجي
مجمع البحرين لليازجي
ناشر
المطبعة الأدبية
ویراست
الرابعة
سال انتشار
١٣٠٢ هـ - ١٨٨٥ م
محل انتشار
بيروت
المقامة الأولى وتعريف بالبدوية
حكى سهيل بن عبادٍ قال: مللت الحضر، وملت إلى السفر. فامتطيت ناقة تسابق الرياح، وجعلت أخترق الهضاب والبسطاح. حتى خيم الغسق، وتصرم الشفق. فدفعت إلى خيمة مضروبة، ونار مشبوبة. فقلت:
من يا ترى القوم النزول ههنا ... هل بهم الخوف أم الأمن لنا؟
قد كان عن هذا الطريق لي غنى
وإذا رجلٌ من وراء الحجاب، قد استضحك وأجاب:
إني ميمون بني الخزام ... وهذه ليلى ابنتي أمامي
نعم وهذا رجب غلامي ... من رام أن يدخل في ذمامي
يأمن من بوائق الأيام
قال: فسكن مني ما جاش، من الجاش. ودخلت فإذا رجل
1 / 4
أشمط الناصية، يكتنفه الغلام والجارية. فحييت تحية ملتاح، وجثمت جثمة مرتاح. وبات الشيخ يطرفنا بحديث يشفي الأوام، ويشفي من السقام. إلى أن رق جلباب الظلماء، وانشق حجاب السماء، فنهضنا نهيم في تلك الهيماء. حتى إذا أشرفنا على فريق، يناوح الطريق. عرض لنا لصوص قد أطلقوا الأعنة، وأشرعوا الأسنة. فأخذ الشيخ القلق، وقال أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق. ولما التقت العين بالعين، على أدنى من قاب قوسين. قال: يا قوم هل أدلكم على تجارة، تقوم بحق الغارة؟ قالوا: وما عسى أن يكون ذاك؟ حياك الله وبياك! فقال: يا غلام اهبط بهم إلى مراعي الريف، وأنا أقف هنا أراعي كاللغيف. قال سهيل: فلما توارى بهم أوفض الشيخ على ناقته القلوص، حتى أتى الحي فنادى اللصوص. وطلب المراعي فانهالت في أثره الرجال، وإذا اللصوص قد ساقوا
1 / 5
قطعة من الجمال. فأطبقوا عليهم من كل جانب، وأخذوهم أسرى إلى المضارب. حتى إذا أثخنوهم شدوا الوثاق، وقد كادت أرواحهم تبلغ التراق. ثم أدخلونا إلى بيت طويل الدعائم، في صدره شيخ. كأنه قيس بن عاصم. فقال: أحسنت أيها النذير فسنوفي لك الكيل، ونعطيك ما لهؤلاء اللصوص من الأسلاب والخيل. فابتسم الشيخ من فوره، وقال: جدح جوين من سويق غيره. قال: قد رأيت ما لا يرى، فعند الصباح يحمد القوم السرى. ولما كان الغد أهاب بنا داعي الأمير، ونفحنا بصرة من الدنانير، فضممناها إلى أسلاب
1 / 6
اللصوص وخرجنا نجد المسير. ولما استوى الشيخ على القتب، أخذته هزة الطرب. فأنشأ يقول:
أنا الخزامي سليل العرب ... أذهب بين الناس كل مذهب
وألبس الجد ثياب اللعب ... وأستقي من كل برق خلب
وأتقي باللطف كل مخلب ... وألتقي الرمح بلدن القصب
ولا أبالي بالفتى المجرب ... لو أنه عمرو بن معدي كرب
علي درع من نسيج الأدب ... تكل عنها ماضيات القضب
ولي لسان من بقايا الحقب ... يقنص بالمكر أسود الهضب
والصدق، إن ألقاك تحت العطب، ... لا خير فيه فاعتصم بالكذب
بمثل هذا كان يوصيني أبي
قال: فلما فرع من إنشاده، تزمل ببجاده. وقال: يا قوم اتبعوا من لا يسألكم أجرًا، ولا تستطيعون بدونه نصرًا. ثم انطلق بين أيدينا كالدليل، وهو يمزج الوخد بالذميل، إلى أن نشرت راية الأصيل. فنزلنا وارتبطنا الأنعام، وأضرمنا النار للطعام. وقال
1 / 7
الشيخ حتى دنا من ناقتي فحل العقال، وأخذ يتخطى ويتمطى ذات اليمين وذات الشمال. فنفرت الناقة في مجاهل تلك الأرض، وجعل يستوقفها زجرًا فتشتد في الركض. فبادرت أعدو إليها حتى استأنست من النفار، ورجعت بها أتنور تلك النار، وإذا الشيخ قد أخذ كل ما هناك وسار. فصفقت صفقت الأواه، وقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم عمدت إلى عقال ناقتي المجفلة، وإذا طرس قد عقل به مكتوبًا فيه بعد البسملة:
قل لسهيل: لست بالمغبون، ... لولاي ذقت غصة المنون
فأنت والناقة في يميني ... ملك بحق ليس بالمنون
لكن عفوت عنك كالمديون ... وهبته الدين لحسن الدين
فقدم الشكر إلى ميمون!
قال: فعجبت من أخلاقه، وأسفت على فراقه. ووددت على ما بي من الفاقة، ولو مكث واستتبع الناقة.
المقامة الثانية وتعريف بالحجازية
1 / 8
حدث سهيل بن عباد قال: نهضت من الأهواز، أريد قطر الحجاز. فخرجت أطوي السباسب والبسابس، في عصبة من أولي الخلابس. فكنت أتفكه منهم بالحديث، وأنتقل منه بالقديم إلى الحديث. وما زلنا نظعن في المفاوز ونضرب، حتى دخلنا مدينة يثرب. فأقمنا بها غرار شهر، كغرة في جبين الدهر. وبينما نحن في ليلة بين الرحال، إلى جيرة بمكان الكليتين من الطحال. سمعنا زفرة متنهد، يليها صوت كئيب ينشد:
يا من يرد علي ما فقدت يدي ... هيهات ليس يرد أمس إلى الغد!
فقدت يدي طيب الحياة! وهل ترى ... لي مطمع في الغابر المتجدد؟
ماذا يفيد العيش صاحب كربة ... لهفان يمسي في الهموم ويغتدي؟
الموت أطيب من حياة مرة ... تقضى لياليها كقضم الجلمد!
مضت الليالي البيض في زمن الصبا ... وأتى المشيب بكل يوم أسود
1 / 9
يا حبذا ما فر من أيامنا ... لو كان يمسك عندنا كمقيد!
أنفقت صفو العيش حتى إنه ... لم يبق لي إلا ثمال المورد
يا ليت ذي الأكدار أول معهد ... كانت، وذاك الصفو آخر معهد
ويحي! متى أمسي ولي نفسٌ بلا ... صعد وأنفاس بغير تصعد؟
ما كنت أحسد سيدًا في ملكه ... واليوم أحسد عبد عبد السيد!
قال: فلما سمع القوم لهجته الشجية، ورأوا ما له من سلامة الشجية. رقت أفئدتهم عليه، وصبت عواطفهم إليه. وقالوا: هل لنا من يطرق مضجعه، ويؤنسنا بالتمازج معه؟ فما عتم الرجل أن وقف بنا منتصبًا، وأنشدنا مقتضبًا:
أنا الذي ساح البلا في ساحتي ... أباح سري واستباح باحتي!
روحي كريحاني، وراحي راحت ... ريحًا، فراحت راحتي من راحتي!
فاستحلى القوم هذا التجنيس، وأحلوا الرجل محل الأنيس. ثم استطلعوه طلع أمره، وما ذاق من خله وخمره. فقال: يا كرام العرب، وكعبة الأرب. إني لقد كنت أفري وأقري وأفدي وأسدي. وما زلت ألبس وأطعم، وأجيز وأنعم. حتى ذهب ما في السفط جزافًا،
1 / 10
ونفد ما في الكظيمة استنزافًا. فصرت أجوع من ذؤالة، وأعطش من ثعالة. وإني لطالما كانت تصدع وطأتي الصفا، ويخدش براجمي السفا. فصرت أمشي بقدم الأخنب. وأبسط راحة الأكنب. ولم يبق لي الدهر سوى ولد، أذل فلما حان الهداء وآن البناء. قال ذووها: لا صهار، إلا بالإمهار. فنقدتهم ما راج، وخرجت أسعى بما غير كجابي الخراج. وقد أبرزت لكم حضيضتي، وبضيضتي. وأطلعتكم على عجري وبجري. فإن أحسنتم فأنا من الشاكري، وإلا فإني من العاذرين. فاستحسنوا إشارته، واستلطفوا عبارته. وقالوا: رحبت بك الدار، وحباه كل واحد
1 / 11
بدينار. فانثنى وهو يثني جميلًا، ويمشي ذميلًا. فلما أصبحت قصدت مثواه، لأصطبح بنجواه. وإذا هو صاحبنا ابن الخزام، وقد قام لديه ذاك الغلام. فقلت: أهذا الخطيب المعهود، فأين الملاك المشهود؟ قال: أرجو أن يكون خطيبًا، فإني أراه لبيبًا. ثم قال: يا بني إن الرامي بعلة الورشان، يأكل رطب المشان، وهذه إحدى حظيات لقمان، فإن رأيت ما سيكون ذهلت عما كان. واعلم أن العيش نجعة، والحرب خدعة. فإذا لم تغلب، فاخلب. وإذا
1 / 12
بليت بسوء المصير، فعليك بحسن التدبير. فلبثت عنده يومي أجمع، أتمتع بالمنظر والسمع. وهو يطرفني بما مر برأسه من العبر، ويحدثني بما ختل وختر، والخبر عندي يعضد الخبر. إلى أن زالت الشمس أو كادت تزول، فاستلقى على وسادته وأنشأ يقول:
أعوذ بالمهيمن الفياض ... من أهل هذا الزمن المهتاض
أسلمهم كالأرقم اللضلاض، ... يلسع كل قادم وماض!
إياك يا صاح من التغاضي ... واحذر ولو من طلحة الفياض
من عاشر الخلق بخلق راض، ... وباشر الجفون بالإغماض
هيهات أن يخلو من انقباض، ... ما الختل يا بني من أغراضي!
لكن تصدى الظلم لانتهاضي ... أن أدفع الأمراض بالأمراض
والظلم من خبائث الحياض ... يُلجى إلى تدنس الأعراض
لو أنصف الناس استراح القاضي
1 / 13