مجلة البيان للبرقوقي
مجلة البيان
مجدبة عقيمة لا ثمرة لها ولا جني. ولا طائل تحتها ولا جدى. وجل بضاعتهم ألفاظ ضخمة وكلم طويلة يذكرك أحدهم طالب الهب يجس في سبيله كبد الأرض ويفضي إلى أعماق ضميرها ابتغاء الجوهر النفيس فلا يخرج إلا دودًا يغرّ به فيقول للناس هاكم ذهبًا!
وكنت أثناء ذلك يعروني الضيق فأضرب في الفضاء أربعين ميلًا لا أنال أثناءها راحة ولا طعامًا. فإذا كنت فيبعض هذه الروحات أعسف السبل أشعث أغبر هزيلًا غير محلوق اللحية مشوّش الذوائب جرت الأمهات إلى سراة الطريق فاختطفن الصبية خشية مني عليهم وخرج الفلاحون طوائف يرمقونني عجبًا وكنت معروفًا في طول تلك البقاع وعرضها بالسيد المجنون صاحب مانسي غير أني قلما كنت أجول تلك الجولات في نواحي الأرياف إنما كانت رياضتي على ساحلي أنعش النفس بالتبغ الأسود وأرشح بيني وبين المحيط أسباب الصلة والألفة.
وأي خلّ آنس من البحر الأفيح الخفّاق؟ أي حالة من أحوال النفس لا يوجد لها في طبيعة البحر شكل وشبيه؟ فما من أحد قد رنّح المراح عطفيه. وأوقد السرور عينيه. إلا سامع في زجل موجه المصطفق. وناظر في لمع آذيّه المؤتلق. ما يزيد سروره. ويرفد حبوره. حتى إذا أربد لجه. وأغبر ثبجه واكفهرت حواشيه واقشعرت نواحيه. وانتطحت أوعاله احترابًا. وتزآءرت آساده غضابًا. فناحت فوقها رياح عواصف. وزمجرت لها رعود قواصف. حينئذ يرى المحنق المغتاظ نهب أحزانه وأشجانه. وفريسة أحقاده وأضغانه. الذي أكلت قلبه الإحن. وصهرت كبده المحن. أن بفؤاد الطبيعى لحزنًا كالذي بفؤاده. وأن بذهن الطبيعة من سود الخواطر ما يجعل لها مثل ظلمة ذهنه وسواده. وإذا كان في الصحو رأيت الخليج كمرآة القين مصقول الجوانب أو كصرح ممرد من قوارير أو كأنه صحيفة من اللجين إلا هناة على متنه سوداء كأنها خط لام أو امتداد طول مارد جعل صدر المحيط فراشه وكان هذا أعلى الصخور المخوفة المعروفة لدى السماكين بصخور مانسي فإذا هبت الريح شرقية حطمت على تلك الجلامد رؤس الأمواج محدثة أشد من ضجيج الرواعد وأدوى. وتطاير الدفّاع حق لطم جبين داري ونال نواصي التلال المجاورة. وكان الخليج رائع المنظر متين الساحل لكنه عرضة لهبات الشمال والصبا مرهوب لصخور مانسي فكان يتحاماه الكثير من السماكين مهابة واستيحاشًا وكان يرفرف على أرجائه روح شعري
10 / 67