وإن من أنفع ما تنفعنا به هذه المقارنة أن نعول عليها حين تتشابه الكلمات باللفظ، أو تتقارب بالمخارج بين لغتين أو لغات عدة، فإن لم نستطع أن نعرف أيها السابق إلى وضع الكلمة، فلعلنا مستطيعون أن نعرف أنها أصيلة أو مستعارة في لغتها بالمقابلة بين تعبيراتها وأحوال معيشتها.
وقد كان زميلنا العالم المجتهد الأستاذ عبد القادر المغربي، يرى أن كلمة المرج في العربية مأخوذ من كلمة «المرغ» الفارسية، فكان مما يشككنا في هذا الظن أن مادة «مرج» و«مرغ» و«مرت» في اللغة العربية متقاربة في مدلولها، وأنها على صلة بالمرع وبالمرعى على قدم الحاجة إلى المرعى في بلاد العرب، فإن لم نستطع أن نجزم باستعارة الفرس كلمتهم «المرغ» من العرب، ففي وسعنا أن نجزم بأن العرب أصلاء في كلماتهم غير مستعيرين.
وهناك كلمات تتشابه في مخارجها بين أبعد اللغات؛ لأنها قد نشأت من الحكاية الصوتية التي تنقل الأصوات كما تقع في الآذان، وقد نفهم من تكرر المادة في أمثال هذه الألفاظ أنها نشأت في اللغة، ولم تنقل إليها بعد تداولها في لغة أخرى.
ففي الإنجليزية يدل لفظ «كت» على القطع كما يدل عليه لفظ «كسيه» باللغة الفرنسية، والمشابهة بين اللفظين وبين «القط» بهذا المعنى في اللغة العربية ظاهرة للسماع، ولكن القاف والطاء وما يثلثهما في لغتنا شائعة في الدلالة على القطع بأنواعه، ومنها قطب وقطر وقطف وقطم، ويلحق بهذه الملاحظة أن القاف والتاء والقاف والدال والقاف والصاد تؤدي معنى قريبا من هذا المعنى، فلا وجه للقول: بالاستعارة في أمثال هذه الألفاظ. •••
ومن الجائز أن يمتد القياس إلى أغراض أخرى في المقارنة بين الكلمات واللغات تحريا لأصولها، أو للعلاقة بين معانيها ومعيشة أبنائها، ولكن البحث على هذا المثال ضرورة لا محيد عنها في اللغات التعبيرية، واللغة العربية في مقدمتها ... فإنه بحث يجمع بين أغراض التاريخ وأغراض البيان، وأغراض الدراسات النفسية والاجتماعية، ولا نحسب أن في اللغة العربية كلمة يطول الخلاف عليها مع الاحتكام بها، على هذا النحو، إلى أصولها ودواعيها من حياة الناطقين بالضاد، وأولها كلمات الفصاحة والبلاغة والنحو والصرف والإعراب.
الزمن في اللغة العربية
يعرف ارتقاء اللغات بمقاييس كثيرة، منها - بل من أهمها - مقياس الدلالة على الزمن في أفعالها، ثم في سائر ألفاظها.
واللغات تنشأ على نحو قريب من نشأة الكتابة على الطريقة الهيروغليفية، أي: طريقة الدلالة بالأشكال المرسومة.
يعبر الكاتب مثلا عن الكتابة، فيرسم إنسانا ينقش أشكالا على حجر أو ورق بالقلم أو الأداة المعدة للكتابة، ويدل بذلك على مجرد حدوث الفعل في غير زمن محدود، سواء كان الكاتب قد فرغ من عمله أو لا يزال يكتب، أو يريد أن يكتب بعد حين، فإذا أراد أن يدل على وقت الفعل أشار إليه بعلامة مضافة، يفهم منها البعد والإدبار أو البعد والإقبال أو الاستمرار والاستغراق.
وهذا الذي حدث في الكتابة قد حدث على نحو قريب منه في الكلام، مع توضيح المعنى بالإشارة واعتماد السامع على المشاهدة، فلا بد من علامات صوتية أو جسدية للتفرقة بين ما كان وما هو كائن لا يزال، وما سيكون أو سوف يكون، وما هو معلق على شرط لا ينتظر أن يكون إلا في حالة معلومة.
صفحه نامشخص