لواقح الأنوار
الطبقات الكبرى المسماة بلواقح الأنوار في طبقات الأخيار
ناشر
مكتبة محمد المليجي الكتبي وأخيه، مصر
سال انتشار
1315 هـ
والشكر، ولا تسكن بر أحد من الخلق، ولا تستأنس به ولا تطلع أحد على ما أنت فيه لا فاعل سوى ربك " وكل شيء عنده بمقدار - إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو " واحذر أن تشكو الله وأنت معافى وعندك نعمة ما طلبا للزيادة، وتعاميا لما له عندك من النعمة والعافية ازدراء بها فربما فضب عليك، وأزالها عنك، وحقق شكواك، وضاعف بلاءك، وشدد عليك العقوبة، رفقتك، وأسقطك من عينه، وأكثر ما ينزل بابن آدم من البلايا لشكواه من ربه عز وجل.
وكان رضي الله عنه يقول: لا يصلح لمجالسة الملوك إلا المطهر من رجس الزلات، والمخالفات، ولا تقبل أبوابه تعالى إلا طيبا من الدعاوي، والهوسات، وأنت يا أخي غارق ليلا، ونهارا في المعاصي، والقاذورات، ولذلك ورد " حمى يوم كفارة سنة " فالأمراض، والشدائد جعلها الله تعالى مطهرات لك لتصلح لقربه، ومجالسته لا غير، وقد ورد أيضا " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل ودوام البلاء خاص بأهل الولاية الكبرى، وذلك ليكونوا أبدا في الحضرة، ويمتنعوا من الميل إلى غير الله تعابى ثم إذا دام البلاء بالعبد قوي قلبه، وضعف هواه، وكان رضي الله عنه يقول: ارض بالدون، ولا تنازع ربك في قضائه فيقصمك، ولا تغفل عنه فيسلمك ولا تقل في دينه بهواك فيرديك، ولا تسكن إلى نفسك فتبلى بها، وبمن هو شر منها، ولا تظلم أحدا ولو بسوء ظنك به، وحملك له على محامل السوء فإنه لا يجاوز بك ظلم ظالم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا وجدت في قلبك بغض شخص أو حبه فاعرض أفعاله على الكتاب، والسنة فإن كانت محبوبة فيهما فأحبه، وإن كانت مكروهة فاكرهه لئلا تحبه بهواك، وتبغضه بهواك قال تعالى: " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " " ص: 26 " ولا تهجر أحدا إلا لله، وذلك إذا رأته مرتكبا كبيرة أو مصرا على صغيرة. قلت: ومعنى رأيته مرتكبا كبيرة: العلم بذلك، ولو ببينة فلا يشترط في جواز الهجر رؤية الهاجر لذلك العاصي ببصره، ولذلك قال سيدي على الخواص رضي الله عنه شرط جواز الهجر علم الهاجر بوقوع المهجور فيما هجر لأجله يقينا لا ظنا، وتخمينا فلا يجوز لك الهجر من غير تحقق، وتثبت، وهذا الباب هلك فيه خلق كثير، ولم يموتوا حتى ابتلاهم الله تعالى بما رموا به الناس، والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: إذا أحب الله عبدا لم يزد له مالا، ولا ولدا وذلك ليزول اشتراكه في المحبة لربه تعالى، والحق غيور لا يقبل الشركة. قلت: فإن بلغ الولي إلى مقام لا يشغله عن الله شاغل فلا بأس بالمال، والأولاد وكان رضي الله عنه يقول: لا تطمع أن تدخل زمرة الروحانيين حتى تعادى جملتك، وتباين جميع الجوارح والأعضاء، وتنفرد عن وجودك، وسمعك، وبصرك، وبطشك، وسعيك، وعملك، وعقلك، وجميع ما كان منك قبل، وجود الروح، وما أوجد فيك بعد كنفخ لأن جميع ذلك حجابك عن ربك عز وجل كما قال الخليل للأصنام في قوله تعالى: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين " " الشعراء: 77 " فاجعل أنت جملتك، وأجزاءك أصناما مع سائر الخلق، ولا ترى لغير ربك، وجودا مع لزوم الحدود، وحفظ الأوامر، والنواهي فإن انخرم فيك شيء من الحدود فاعلم أنك مفتون قد لعب بك الشيطان فارجع إلى حكم الشرع، والزمه ودع عنك الهوى لأن كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي باطلة، وكان رضي الله عنه يقول: كثيرا ما يلاطف الحق تعالى عبده المؤمن فيفتح قبالة قلبه باب الرحمة، والمنة، والإنعام فيرى بقلبه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من مطالعة الغيوب، والتعريف، والكلام اللطيف، والوعد الجميل والدلائل، والإجابة في الدعاء، والتصديق، والوعد، والوفاء، والكلمات من الحكمة ترمي إلى قلبه، وغير ذلك من النعم الفائقة كحفظ الحدود، والمداومة على الطاعات فإذا اطمأن العبد إلى ذلك واغتر به واعتقد دوامه فتح الله عليه أنواع البلايا، والمحن في النفس والمال، والولد وزال عنه جميع ما كان فيه من النعم فيصير العبد متحيرا منكسرا إن نظر إلى ظاهره رأى ما يسره، وإن نظر إلى باطنه رأى ما يحزنه، وإن سأل الله تعالى كشف ما به من الضر لم يرج إجابة، وإن طلب الرجوع إلى الخلق لم يجد إلى ذلك سبيلا، وإن عمل بالرخص تسارعت إليه العقوبات، وتسلطت الخلائق على جسمه، وعرضه وإن طلب الإقالة لم يقل وإن رام الرضا، والتنعم بما به من البلاء، لم يعط فحينئذ تأخذ النفس في الذوبان، والهوى في الزوال، والإرادات، والأماني في الرحيل، والأكوان في التلاشي فيدام له ذلك ويشدد عليه حتى تفنى أوصاف بشريته، ويبقى روحا فقط فهناك يسمع النداء من قلبه: " أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " " ص: 42 ". وردت عليه
صفحه ۱۱۲