902

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

ناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

ویراست

الثانية

سال انتشار

۱۴۰۲ ه.ق

محل انتشار

دمشق

ژانرها
Hanbali
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
إِلَى التَّوْفِيقِ فِي كُلِّ نَفَسٍ وَلَحْظَةٍ وَطَرْفَةِ عَيْنٍ، وَأَنَّ تَوْحِيدَهُ وَإِيمَانَهُ مُمْسَكٌ بِيَدِ غَيْرِهِ لَوْ تَخَلَّى عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَثَلَّ عَرْشُهُ وَلَخَرَّتْ سَمَاءُ إِيمَانِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَنَّ الْمُمْسِكَ لَهُ مَنْ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَدَأْبُهُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قَلْبِي عَلَى طَاعَتِكَ، وَدَعْوَاهُ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ.
ثُمَّ قَالَ: وَالتَّوْفِيقُ هُوَ إِرَادَةُ اللَّهِ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ بِعَبْدِهِ مَا يَصْلُحُ بِهِ الْعَبْدُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ قَادِرًا عَلَى فِعْلِ مَا يُرْضِيهِ مُرِيدًا لَهُ مُحِبًّا مُؤْثِرًا عَلَى غَيْرِهِ، وَيُبَغِّضَ إِلَيْهِ مَا يُسْخِطُهُ وَيَكْرَهُهُ، وَهَذَا مُجَرَّدُ فِعْلِهِ تَعَالَى وَالْعَبْدُ مَحَلٌّ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ - فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨] فَهُوَ سُبْحَانُهُ عَلِيمٌ بِمَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الْفَضْلِ وَمَنْ لَا يَصْلُحُ لَهُ، حَكِيمٌ يَضَعُهُ فِي مَوَاضِعِهِ وَعِنْدَ أَهْلِهِ وَلَا يَضَعُهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ. وَذَكَرَ هَذَا عِنْدَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧]، ثُمَّ جَاءَ بِحَرْفِ الِاسْتِدْرَاكِ فَقَالَ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ﴾ [الحجرات: ٧]، قَالَ: وَقَدْ فَسَّرَتِ الْجَبْرِيَّةُ وَغَيْرُهُمُ التَّوْفِيقَ بِأَنَّهُ خَلْقُ الطَّاعَةِ وَالْخِذْلَانَ خَلْقُ الْمَعْصِيَةِ، وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أُصُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ مِنْ إِنْكَارِ الْأَسْبَابِ وَالْحُكْمِ، وَرَدُّوا الْأَمْرَ إِلَى مَحْضِ الْمَشِيئَةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَلَا حِكْمَةٍ، قَالَ: وَقَابَلَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ فَفَسَّرُوا التَّوْفِيقَ بِالْبَيَانِ الْعَامِّ وَالْهُدَى الْعَامِّ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالِاقْتِدَارِ عَلَيْهَا وَتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهَا، قَالَ: وَهَذَا حَاصِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ كَافِرٍ وَمُشْرِكٍ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ وَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِيمَانِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْقَدْرِ مَا لَعَلَّهُ يَكْفِي وَيَشْفِي وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَوْلُهُ «لِمَنْهَجِ الْحَقِّ عَلَى التَّحْقِيقِ» مُتَعَلِّقٌ بِالتَّوْفِيقِ، وَالْمَنْهَجُ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ كَالنَّهْجِ وَالْمِنْهَاجِ. وَالْحَقُّ هُوَ الْحُكْمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَقْوَالِ وَالْعَقَائِدِ وَالْأَدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهَا عَلَى ذَلِكَ، وَيُقَابِلُهُ الْبَاطِلُ، وَأَمَّا الصِّدْقُ فَشَاعَ فِي الْأَقْوَالِ خَاصَّةً، وَيُقَابِلُهُ الْكَذِبُ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالصِّدْقِ بِأَنَّ الْمُطَابَقَةَ تُعْتَبَرُ فِي الْحَقِّ

2 / 451