لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
ناشر
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
ویراست
الثانية
سال انتشار
۱۴۰۲ ه.ق
محل انتشار
دمشق
وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ» ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَرَادَ لَا أَتَبَجَّحُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ لَكِنْ أَقُولُهَا شُكْرًا وَمُنَبِّهًا عَلَى إِنْعَامِ رَبِّي عَلَيَّ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتْبَعَنِي» ".
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ «قَالَ ﷺ لِمَنْ قَالَ لَهُ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ»، وَقَالَ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى» . وَقَالَ: «لَا تُفَاضِلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» . وَقَالَ ﷺ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ ﷺ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَلَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ ﷾ بِذَلِكَ أَخْبَرَ بِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا وَتَأَدُّبًا وَاحْتِرَامًا لِخُلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَإِمَّا أَنَّهُ أَرَادَ بَرِيَّةَ عَصْرِ إِبْرَاهِيمَ، أَوْ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَةِ وَالْفِتْنَةِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي سَبَبِ وُرُودِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، أَوْ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّفْضِيلِ فِي النُّبُوَّةِ نَفْسِهَا، وَذَلِكَ قَدْ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا بَلْ فِي خَصَائِصِهَا وَتَوَابِعِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَرَدَ النَّصُّ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ الرُّسُلِ عَلَى بَعْضٍ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِتَفْضِيلِ اللَّهِ لَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، مَعَ مُرَاعَاتِهِ لِعُلُوِّ مَرَاتِبِهِمُ الْبَاذِخَةِ وَجَلَالَةِ مَنَاصِبِهِمُ الشَّامِخَةِ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَأَفْضَلُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَمَرَ بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ فَبَلَّغَهُ كَمَا أُمِرَ، لِأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ حَقٌّ لَازِمٌ وَفَرْضٌ جَازِمٌ مَعَ مُجَانَبَةِ التَّفْضِيلِ الْمُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ، وَمُرَاعَاةِ عُلُوِّ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ الَّتِي لَا تُدْرِكُ كُنْهَ حَقَائِقِهَا أَكْثَرُ الْعُقُولِ، فَالنَّبِيُّ الْمُصْطَفَى أَفْضَلُ الْخَلْقِ جَمِيعًا بِلَا خَفَاءٍ ﷺ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
2 / 298