711

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

ناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

ویراست

الثانية

سال انتشار

۱۴۰۲ ه.ق

محل انتشار

دمشق

ژانرها
Hanbali
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
وَتَنَالُهُ حَيَاتُهَا وَرُوحُهَا فَهُوَ فِي ظُلْمَةٍ وَهُوَ مِنَ الْأَمْوَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] فَهَذَا وَصْفُ الْمُؤْمِنِ كَانَ مَيِّتًا فِي ظُلْمَةِ الْجَهْلِ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ بِرُوحِ الرِّسَالَةِ وَبِنُورِ الْإِيمَانِ، وَجَعَلَ لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ.
وَأَمَّا فِي الْكَافِرِ فَمَيِّتُ الْقَلْبِ فِي الظُّلُمَاتِ، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى رِسَالَتَهُ رُوحًا، وَالرُّوحُ إِذَا عُدِمَ فَارَقَتِ الْحَيَاةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] الْآيَةَ، فَالرُّوحُ الْحَيَاةُ، وَالنُّورُ الْإِضَاءَةُ الْمُزِيلَةُ لِلظُّلْمَةِ، فَالْكَافِرُ فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَهُوَ مَيِّتٌ غَيْرُ حَيٍّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ بَهِيمِيَّةٌ لَكِنَّهُ عَادِمُ الْحَيَاةِ الرُّوحَانِيَّةِ الْعُلْوِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْإِيمَانِ، وَبِهَا يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ الْفَوْزُ وَالسَّعَادَةُ وَالْفَلَاحُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فِي تَعْرِيفِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ وَمَا يَضُرُّهُمْ، وَتَكْمِيلِ مَا يُصْلِحُهُمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، فَبُعِثُوا جَمِيعًا بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَعْرِيفِ الطَّرِيقِ الْمُوصِلِ إِلَيْهِ، وَبَيَانِ حَالِهِمْ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَأَرْشَدُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِهِ تَعَالَى وَإِثْبَاتِ صِفَاتِهِ وَإِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَذِكْرِ أَيَّامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، وَهِيَ الْقَصَصُ الَّتِي قَصَّهَا عَلَى الْعِبَادِ، وَالْأَمْثَالُ الَّتِي ضَرَبَهَا لَهُمْ، وَأَرْشَدُوهُمْ إِلَى الْعِلْمِ بِتَفْصِيلِ الشَّرَائِعِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِبَاحَةِ وَبَيَانِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَكْرَهُهُ، وَكَذَلِكَ بَيَّنُوا لَهُمْ وُجُوبَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَعَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أُصُولٍ مَدَارُ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَالسَّعَادَةُ وَالْفَلَّاحُ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا إِلَّا مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي إِلَى تَفَاصِيلِهَا وَمَعْرِفَةِ حَقَائِقِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُدْرِكُ وَجْهَ الضَّرُورَةِ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُدْرِكُ الْحَاجَةَ إِلَى الطِّبِّ وَمَنْ يُدَاوِيهِ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَى تَفَاصِيلِ الْمَرَضِ، وَتَنْزِيلِ الدَّوَاءِ عَلَيْهِ، وَحَاجَةُ الْعَبْدِ إِلَى الرِّسَالَةِ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ حَاجَةِ الْمَرِيضِ إِلَى الطَّبِيبِ، فَإِنَّ آخِرَ مَا يُعَذَّبُ بِعَدَمِ الطَّبِيبِ مَوْتُ الْأَبْدَانِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْعَبْدِ نُورُ الرِّسَالَةِ وَحَيَاتُهَا مَاتَ قَلْبُهُ مَوْتًا لَا تُرْجَى الْحَيَاةُ مَعَهُ أَبَدًا، وَشَقِيَ شَقَاوَةً لَا سَعَادَةَ مَعَهَا أَبَدًا، فَلَا فَلَاحَ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ بِالْفَلَاحِ أَتْبَاعَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، وَأَنْصَارَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

2 / 260