لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
ناشر
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
ویراست
الثانية
سال انتشار
۱۴۰۲ ه.ق
محل انتشار
دمشق
﵃ بِأَنْ يُحْمَلَ نَفْيُهَا عَلَى رُؤْيَةِ الْبَصَرِ، وَإِثْبَاتُهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْقَلْبِ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ.
ثُمَّ الْمُرَادُ بِرُؤْيَةِ الْفُؤَادِ رُؤْيَةُ الْقَلْبِ لَا مُجَرَّدُ حُصُولِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ عَالِمًا بِاللَّهِ عَلَى الدَّوَامِ، بَلْ مُرَادُ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ أَنَّهُ رَآهُ بِقَلْبِهِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ خُلِقَتْ فِي قَلْبِهِ كَمَا تُخْلَقُ الرُّؤْيَةُ بِالْعَيْنِ لِغَيْرِهِ، وَالرُّؤْيَةُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا شَيْءٌ مَخْصُوصٌ عَقْلًا وَلَوْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِخَلْقِهَا فِي الْعَيْنِ، وَقَدْ مَرَّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ «أَنَّهُ سَأَلَهُ ﷺ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ قَالَ " رَأَيْتُ نُورًا "، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْهُ قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ، وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ مُرَادُ أَبِي ذَرٍّ بِذِكْرِ النُّورِ، أَيْ: أَنَّ النُّورَ حَالَ (بَيْنَهُ وَ) بَيْنَ رُؤْيَتِهِ لَهُ بِبَصَرِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ كَإِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ وَالْجُيُوشِ وَغَيْرِهِمَا: سَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: مَعْنَاهُ كَانَ ثَمَّ نُورٌ وَحَالَ دُونَ رُؤْيَتِهِ نُورٌ فَأَنَّى أَرَاهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الصَّحِيحِ: «هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ نُورًا» . قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَقَدْ أُعْضِلَ أَمْرُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: نُورَانِيٌّ أَرَاهُ، عَلَى أَنَّهَا يَاءُ النِّسْبَةِ وَالْكَلِمَةُ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا خَطَأٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ لَهُمْ هَذَا الْفَهْمُ أَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَبَّهُ وَكَانَ قَوْلُهُ " أَنَّى أَرَاهُ " كَالْإِنْكَارِ لِلرُّؤْيَةِ حَارُوا فِي الْحَدِيثِ، وَبَعْضُهُمْ رَدَّهُ بِاضْطِرَابِ لَفْظِهِ، وَكُلُّ هَذَا عُدُولٌ عَنْ مُوجَبِ الدَّلِيلِ. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَيَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ شَيْخُنَا قَوْلُهُ ﷺ: " «حِجَابُهُ النُّورُ» "، فَهَذَا النُّورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ النُّورُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ. انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ الْأَسِيرِ فِي حَلِّ أَلْفَاظِ جَامِعِ الْأُصُولِ: أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ سَأَلَ عَنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا فَقَالَ: مَازِلْتُ مُنْكِرًا لِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: فِي الْقَلْبِ مِنْ صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ شَيْءٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِنُورٍ، وَخَطَّأْنَا الْمَجُوسَ فِي قَوْلِهِمْ هُوَ نُورٌ، وَالْأَنْوَارُ أَجْسَامٌ، وَالْبَارِي ﷾ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حِجَابَهُ سُبْحَانَهُ النُّورُ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي حَدِيثِ
2 / 255