507

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

ناشر

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

ویراست

الثانية

سال انتشار

۱۴۰۲ ه.ق

محل انتشار

دمشق

ژانرها
Hanbali
امپراتوری‌ها و عصرها
عثمانیان
وَأَلَمٌ وَعَذَابٌ أَعْظَمُ مِمَّا كَانَ لَهَا حَالَ اتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ بِكَثِيرٍ، فَهُنَالِكَ الْحَبْسُ وَالْأَلَمُ وَالْعَذَابُ وَالْمَرَضُ وَالْحَسْرَةُ، وَهُنَاكَ اللَّذَّةُ وَالرَّاحَةُ وَالنَّعِيمُ وَالْإِطْلَاقُ.
(ثُمَّ قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ): وَمَا أَشْبَهَ حَالَهَا بِهَذَا الْبَدَنِ بِحَالِ الْبَدَنِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَحَالَهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ بِحَالِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَطْنِ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ فَلِهَذِهِ الْأَنْفُسِ أَرْبَعَةُ دُورٍ كُلُّ دَارٍ أَعْظَمُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا:
(الدَّارُ الْأُولَى) بَطْنُ أُمِّهِ وَذَلِكَ الضِّيقُ وَالْحَصْرُ وَالظُّلُمَاتُ الثَّلَاثُ.
(الدَّارُ الثَّانِيَةُ) هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا وَأَلِفَتْهَا وَاكْتَسَبَتِ الْخَيْرَ أَوِ الشَّرَّ وَأَسْبَابَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ فِيهَا.
(الدَّارُ الثَّالِثَةُ) دَارُ الْبَرْزَخِ وَهِيَ أَوْسَعُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ وَأَعْظَمُ بَلْ نِسْبَتُهَا إِلَيْهَا كَنِسْبَةِ هَذِهِ الدَّارِ إِلَى الدَّارِ الْأُولَى.
(الدَّارُ الرَّابِعَةُ) دَارُ الْقَرَارِ وَهِيَ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ فَلَا دَارَ بَعْدَهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَنْقُلُ الرُّوحَ فِي هَذِهِ الدُّورِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ حَتَّى يُبَلِّغَهَا الدَّارَ الَّتِي لَا يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهَا وَلَا يَلِيقُ بِهَا سِوَاهَا وَهِيَ الَّتِي خُلِقَتْ لَهَا وَهُيِّئَتْ لِلْعَمَلِ الْمُوَصِّلِ إِلَيْهَا، وَلَهَا فِي كُلِّ دَارٍ مِنْ هَذِهِ الدُّورِ شَأْنٌ غَيْرُ شَأْنِ الدَّارِ الْأُخْرَى، فَتَبَارَكَ اللَّهُ فَاطِرُهَا وَمُنْشِئُهَا وَمُمِيتُهَا وَمُسْعِدُهَا وَمُشْقِيهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[هَلْ تَتَلَاقَى أَرْوَاحُ الْمَوْتَى وَتَتَزَاوَرُ وَتَتَذَاكَرُ وَتَتَلَاقَى أَرْوَاحُ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ أَيْضًا]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ)
مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرُّوحِ هَلْ تَتَلَاقَى أَرْوَاحُ الْمَوْتَى وَتَتَزَاوَرُ وَتَتَذَاكَرُ وَتَتَلَاقَى أَرْوَاحُ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ أَيْضًا؟ وَهَذَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ قِسْمَانِ مُعَذَّبَةٌ وَمُنَعَّمَةٌ فَالْمُعَذَّبَةُ فِي شُغْلٍ شَاغِلٍ بِمَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ عَنِ التَّزَاوُرِ وَالتَّلَاقِي، وَأَمَّا الْأَرْوَاحُ الْمُنَعَّمَةُ الْمُرْسَلَةُ غَيْرُ الْمَحْبُوسَةِ فَهَذِهِ تَتَلَاقَى وَتَتَزَاوَرُ وَتَتَذَاكَرُ مَا كَانَ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا وَمَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فَتَكُونُ كُلُّ رُوحٍ مَعَ رَفِيقِهَا الَّذِي عَلَى مِثْلِ عَمَلِهَا، وَرُوحُ نَبِيِّنَا ﷺ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] . قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذِهِ الْمَعِيَّةُ ثَابِتَةٌ فِي الدُّنْيَا وَفِي دَارِ الْبَرْزَخِ وَفِي دَارِ الْجَزَاءِ، وَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ فِي هَذِهِ الدُّورِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْمَرَائِي بِتَلَاقِي الْأَرْوَاحِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ، قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ رَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ لَقِيتُ مُحَمَّدًا

2 / 56