لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
ناشر
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
ویراست
الثانية
سال انتشار
۱۴۰۲ ه.ق
محل انتشار
دمشق
الْمَرْفُوعُ " «لَا أَدْرِي الْحُدُودُ طَهَارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا»؟ " فَقَدْ خَرَّجَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ وَعَلَّلَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: لَا يَثْبُتُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ الزُّهْرِيِّ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ، وَغَلِطَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَوَصَلَهُ. وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ قَالَ: «أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَتَرَكَهُ حَتَّى صَلَّى ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ» " فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْكَبَائِرِ ; لِأَنَّ حُدُودَ اللَّهِ مَحَارِمُهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] فَكُلُّ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَقَدْ أَصَابَ حُدُودَهُ وَارْتَكَبَهَا وَتَعَدَّاهَا، وَعَلَى فَرْضِ كَوْنِهِ كَبِيرَةً فَهَذَا الرَّجُلُ جَاءَ نَادِمًا تَائِبًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ إِلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَالتَّوْبَةُ تُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ.
ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَالْأَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، يَعْنِي مَسْأَلَةَ تَكْفِيرِ الْكَبَائِرِ بِالْأَعْمَالِ - أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ أَنَّ الْكَبَائِرَ تُمْحَى بِمُجَرَّدِ الْإِتْيَانِ بِالْفَرَائِضِ، وَتَقَعُ مُكَفَّرَةً بِذَلِكَ كَالصَّغَائِرِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ؛ فَهَذَا بَاطِلٌ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ قَدْ يُوَازَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْكَبَائِرِ وَبَيْنَ بَعْضِ الْأَعْمَالِ فَتُمْحَى الْكَبِيرَةُ بِمَا يُقَابِلُهَا مِنَ الْعَمَلِ وَيَسْقُطُ الْعَمَلُ فَلَا يَبْقَى لَهُ ثَوَابٌ، فَهَذَا قَدْ يَقَعُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّهُ ضَرَبَ عَبْدًا لَهُ، فَأَعْتَقَهُ وَقَالَ: لَيْسَ لِي فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ هَذَا - وَأَخَذَ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ - إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ، أَوْ ضَرَبَهُ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» " فَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عِتْقَهُ كَفَّارَةٌ لِذَنْبِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَنْبُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَكَيْفَ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمُنَافِيَةِ لَهَا؛ كَمَا يُبْطِلُ الْمَنُّ الصَّدَقَةَ، وَتُبْطِلُ الْمُعَامَلَةُ بِالرِّبَا ثَوَابَ الْجِهَادِ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لِأُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: إِنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ ﵁: قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ يَهْدِمُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ. وَكَمَا يُبْطِلُ تَرْكُ صَلَاةِ الْعَصْرِ الْعَمَلَ، فَلَا يُسْتَنْكَرُ أَنْ يُبْطِلَ ثَوَابَ الْعَمَلِ الَّذِي يُكَفَّرُ - الْكَبَائِرُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يُؤْتَى بِحَسَنَاتِ الْعَبْدِ وَسَيِّئَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَصُّ - أَوْ يُقْضَى - بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَإِنْ بَقِيَتْ لَهُ
1 / 377