المسجد والاستطراق فيه، بخلاف غيره، وذلك من مصالح المسلمين المصلّين في المسجد، ثمّ أكّد هذا المعنى بأمره صريحا أن يصلّي بالناس أبو بكر، فروجع في ذلك فغضب، وقال: «مروا أبا بكر يصلّي بالنّاس» (^١)، فولاّه إمامة الصّلاة دون غيره، وأبقى استطراقه من داره إلى مكان الصلاة، وسدّ استطراق غيره. وفي هذا إشارة واضحة إلى استخلافه على الأمّة دون غيره، ولهذا قالت الصّحابة ﵃ عند بيعة أبي بكر: رضيه رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا. ولما قال أبو بكر: قد أقلتكم بيعتي، قال عليّ:
لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله ﷺ فمن ذا يؤخرك؟
لمّا انطوى بساط النّبوّة من الأرض بوفاة رسول الله ﷺ، لم يبق على وجه الأرض أكمل من درجة الصّدّيقيّة، وأبو بكر رأس الصّدّيقين، فلهذا استحقّ خلافة الرّسول ﷺ والقيام مقامه.
وكان النّبيّ ﷺ قد عزم على أن يكتب لأبي بكر كتابا لئلا يختلف عليه، ثمّ أعرض عن ذلك، لعلمه أنّه لا يقع غيره، وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (^٢) وربّما كان ترك ذلك لئلا يتوهّم متوهّم أنّ نصّه على خلافته كانت مكافأة ليده التي كانت له. والولايات كلّها لا يقصد بها مصلحة المولّي، بل مصلحة المسلمين عامّة.
وكان أوّل ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من مرضه وجع رأسه، ولهذا خطب وقد عصب رأسه بعصابة دسماء، وكان صداع الرّأس والشّقيقة يعتريه كثيرا في حياته، ويتألّم منه أياما. وصداع الرأس من علامات أهل الإيمان وأهل الجنة.
(^١) أخرجه: البخاري (١٨٢، ١/ ١٦٩) (٧١٢، ٦٨٧، ٦٦٤)، ومسلم (٢٣، ٢/ ٢٢) (٤١٨) من حديث عائشة ﵂.
(^٢) أخرجه: مسلم (٧/ ١١٠) (٢٣٨٧) من حديث عائشة ﵂.