كتاب الأفعال

كتاب الأفعال

ویرایشگر

حسين محمد محمد شرف

ناشر

مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر

ویراست

بدون

محل انتشار

القاهرة - جمهورية مصر العربية

كتاب الأفعال
تأليف
أبي عثمان سعيد بن محمد المعافري السرقسطي
تحقيق
دكتور حسين محمد محمد شرف
المدرس بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة
مراجعة
دكتور محمد مهدي علام
عضو مجمع اللغة العربية - القاهرة
[الجزء الأول]
مؤسسة دار الشعب

صفحه نامشخص

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة بقلم الدكتور مهدى علام، عضو مجمع اللغة العربية
«الفعل» فى كل لغة، وفى كل لغة راقية على وجه الخصوص، هو مصدر التعبير عن أفكار المتحدثين بهذه اللغة؛ هو اللفظ الذى يصور النشاط والحركة وكل ما تموج به حياة البشر من فكر ووجدان. ويدلنا على هذا أن اللغات البدائية:
التى لا تتعدد فيها صور الحياة المتطورة، تعتمد - أكثر ما تعتمد - على «الأسماء»، وتستعين بقدر قليل من «الأفعال». وحينما يرتفع مستوى تفكيرها إلى الحاجة إلى مزيد من التمييز بين صور نشاطها التى يعبر عنها بصيغ «الأفعال»، تستعين عندئذ بإضافة ألفاظ إلى مجموعة «الأفعال» التى لديها - ألفاظ تعدّل معانى هذه الأفعال، وتنوع دلالاتها، كإلحاق ما يقابل عندنا فى العربية «الظرف» أو «الحال». ومن أمثلة ذلك «الأفعال» التى تنتمى إلى أصل «أنجلوسكسونى» فى اللغة الإنجليزية، قبل أن تثرى هذه اللغة بالأفعال التى استعارتها من الغتين العريقتين، اللاتينية واليونانية ..
وإن نظرة سريعة إلى بعض تلك الأفعال «الأولية» فى أى معجم إنجليزى، لتدل على مدى تنوع الدلالات لفعل الواحد، بإضافة هذه المكملات النحوية إليه.
ففعل) Get (مثلا يعبر عن عشرة معان (أى ما يساوى عشرة أفعال مختلفة) بسبب الإضافات التى تلحقه، مثل) Away - out) N، IN (الخ. وفعل) L ck (يدل، بسبب مثل هذه الإضافات، على سبع دلالات. وفعل) Set (على سبع كذلك، وفعل) Put (على نحو عشرين.

1 / 3

وقد كان اختيار النحاة العرب المصطلح «فعل» لهذا الجزء من الجملة اختيارا موفقا، وهو لا شك اختيار مستوحى من معناه ووظيفته فى اللغة، فهو - كما أشرت - مصدر الفعل والنشاط والحياة فى التعبير.
وشبيه بهذا التوفيق فى اختيار مصطلح ذى إيحاء لمعنى هذا اللفظ النحوى، أى «الفعل»، المصطلح الذى تستعمله له اللغات الأوربية جميعها، وهو لفظ (Verp) و(Verpe) المستعار من اللفظ اللاتينى (Verpuw)، ومعناه «الكلمة». كأن وظيفة «الفعل» فى الجملة هى «الكلمة المعبرة»، هى اللفظة المؤدية لأهم معنى فى الجملة.
وهنا أشعر بميل للمجازفة بهذه الدعوى: وهى أن الجملة الاسمية التى يقتصر عليها التعبير فى اللغات الهندية
الأوربية (فليس فى هذه اللغات ما يقابل الجملة الفعلية فى اللغات السامية) ليست فى جوهرها وأدائها إلا جملة فعلية ذات ترتيب خاص فى وضع ألفاظها، بحيث لا يبدأ فيها بالفعل، ولكنها لا تستغنى أبدا عن الفعل فى مناط الإسناد، حتى فى أبسط صورها، عند ما يكون مناط الإسناد هو مجرد فعل الكينونة، أو ما يسمى فى اصطلاحنا النحوى «الكون العام».
ونظرا لأهمية هذا الجزء من التركيب اللغوى، أى الجملة، وهو «الفعل»، قد اهتم به علماء اللغة والنحو فى جميع اللغات، حصرا وتوضيحا، وجدولة، وتأليفا.
ولكل لغة مواضع اهتمامها بضبط «الأفعال» فيها، من حيث اشتقاقها، وتصريفاتها، وما هو مطرد منها على نسق واحد (وهو قليل فى معظم اللغات)، وما هو غير مطرد على قياس، بل يختلف اختلافا قليلا أو كثيرا عن القياس، وما هو شاذ شذوذا كاملا.
وطلاب اللغات، من أهلها ومن غيرهم، يجدون أن أهم صعوبة تواجههم هى إتقان صيغ الأفعال وتصريفاتها. وحسبى أن أشير - تمثيلا لا حصرا - إلى الجداول

1 / 4

والمجموعات التى تحصر أنواع التصريفات المختلفة للأفعال فى كل من اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية.
أما لغتنا العربية، بمالها من تطور عظيم، واتساع وتقدم، فلها نصيبها من هذه الميزة التى هى فى حقيقتها صعوبة - صعوبة المجد والرقى - فمن ذلك تحديد صيغ الفعل الثلاثى الذى هو أساس لصيغ الزيادة (إذا استثنينا القلة العددية للفعل الرباعى الأصل). وأفعالنا الثلاثية تحتاج إلى علم واسع، وجهد عظيم، لتحديدها - فى صيغتها ومعانيها - «فالبطاقة الشخصية» لكل فعل تحتوى على بنيته أو صيغته فى أحد الأبواب الستة المعروفة (وأحيانا خارج نطاقها)، كما تحتوى على تحديد وظيفته، لزوما وتعدّيا، ثم على الدلالات التى يعبر عنها.
وأشير هنا إلى ضبط بنية الفعل بقليل من الأمثلة التى تدل على مدى الحاجة إلى حصر الأفعال وتحديد ضبط كل منها، ولو لم يكن لكل فعل إلا بنية واحدة فى أحد الأبواب الستة للفعل الثلاثى لكان هذا كافيا فى وجوب تحديد هذه البنية أو الصيغة التى لا سبيل إلى معرفتها إلا بالتوقيف والتعليم، (وإن يكن هناك ما يشبه الضوابط للاهتداء إلى بعضها)، فكيف الحال ومئات الأفعال لها أكثر من صيغة واحدة فى أحد الأبواب الستة!.
فمما يأتى من بابين مثلا: نشأ ينشأ (من باب فتح)، ونشؤ ينشؤ (من باب شرف)؛ وهزئ يهزأ (من باب سمع)، وهزأ يهزأ (من باب منع)؛ وبصر يبصر (من باب شرف)، وبصر يبصر (من باب فرح).
ومما يأتى من ثلاثة أبواب: بطر (من باب فرح، ومن باب نصر، ومن باب ضرب)؛ وفطن (من باب فرح، ونصر،
وشرف)؛ ونعم (من باب فرح، ونصر، وضرب)؛ وفضل (من باب نصر، وفرح، ثم فضل يفضل من غير باب).

1 / 5

ومما يأتى من أربعة أبواب: حسب (من باب نصر، وشرف، وفرح، وورث) ومثله برأ يبرأ (من باب فتح) وبرئ يبرأ (كفرح)، وبرأ يبرؤ (كنصر)، وبرئ يبرؤ (على غير باب)، وملح (كفتح، ونصر، وشرف، وفرح).
وقد تنبه علماء اللغة العربية لأهمية «الفعل» فى بنائه ومصدره ومعناه، فألفوا الرسائل ثم الكتب فى ذلك.
ومن أهم هذه الكتب:
كتاب الأفعال لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى (المعروف بابن الحداد) الذى توفى فى حدود سنة أربعمائة هجرية، أى منذ نحو ألف سنة.
وكان من بين الأهداف التى من أجلها ألف ابن الحداد كتابه هذا وفاؤه لأستاذه ابن القوطية. فقد عرض فى هذا الكتاب أكبر قدر من أفعال اللغة العربية، وأوضح قياس تصاريفها، وبين الصحيح والمعتل منها، والمجرد والمزيد، والمتعدى واللازم.
ومصادر الفعل الثلاثى. وعددا آخر من المشتقات. وكان أساس المادة التى اختارها وكتب عنها هو «كتاب الأفعال» لابن القوطية. أستاذه الذى أثبت وفاءه له بهذه الطريقة العملية. بتأليف كتاب يستكمل فيه عمل أستاذه ويستدرك ما تركه.
وهذا الوفاء الذى يحمله التلاميذ لأساتذتهم معروف بين علماء العربية. فهناك مثال شبيه بهذا، عند ما ألف أبو الفتح عثمان بن جنى كتابه «المحتسب فى تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها». وقد ألفه وفاء لذكرى أستاذه أبى على الفارسى الذى كان ينوى أن يضع كتابا فى هذا الموضوع، ولكن منيته عاجلته.
وقد حقق الكتاب الذى أقدمه هنا الدكتور حسين محمد شرف، تحقيقا علميا، اعتمد فيه على مخطوطتين. وقد عرف بهما تعريفا دقيقا، وقارن بين نصيهما، وتعقب الشواهد التى فى النص فشرحها ونسب ما أمكنه منها إلى قائليها.

1 / 6

ويسرنى أن أقدم هذا الجزء من التحقيق للشادين والعلماء، فهو جزء عزيز عظيم من تراثنا اللغوى الذى يقوم على نشره مجمعنا للغة العربية، فى نطاق الأعمال العلمية التى ينشرها تحقيقا لرسالته.
مهدى علام
المعادى ١٩ من المحرم ١٣٩٥
٣١ من يناير ١٩٧٥

1 / 7

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق
(أ)
أحمد الله الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، على آلائه ونعمه، وأثنى عليه بما لا يحصى من أفضاله فى خفى الأمر وظاهره.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين وخاتم النبيين، صلّى الله عليه وعلى آله، وصحابته وسلم تسليما.
أما بعد فإن التصريف والاشتقاق من أبرز ظواهر العربية، وأشرف علومها، وقد أدرك النحويون واللغويون قيمة كل من هذين العلمين فى وقت مبكر، وأولوهما كل اهتمام.
ولما كانت أبنية الأسماء، وأبنية الأفعال هى مادة التصريف والاشتقاق، فقد ظفرت هذه الأبنية باهتمام علماء اللغة، والنحو، والتصريف، وألف فى هذه الأبنية جلة من العلماء، وكان للأفعال نصيب وافر من هذه الدراسات. وكان لنحاة الأندلس سبق إلى هذا الميدان، إذ شاركوا بباع طويل فيه، ولعلهم أرادوا بذلك أن يسجلوا لأنفسهم سبقا فى مجال من مجالات العلوم يقفون به مع العلماء المشارقة على قدم المساواة.
وتنصّ كتب التراجم وفهارس الكتب على كثير من الكتب التى ألفت فى أبنية الأفعال قبل كتب المدرسة الأندلسية، غير أنها إلى الرسائل أقرب منها إلى الكتب، ومن هذه التواليف القائم بنفسه مثل:
- كتاب فعلت وأفعلت للأصمعى، ومنه نسخة مخطوطة بالقاهرة ثانى ٢/ ٢٨

1 / 8

- وكتاب فعلت وأفعلت لأبى عبيد، ومنه نسخة مخطوطة بالقاهرة ثا ٣/ ٢٨١
- وكتاب فعلت وأفعلت لأبى حاتم السجستانى، ومنه عدة نسخ مخطوطة بالقاهرة.
- وكتاب فعلت وأفعلت لأبى إسحاق الزجاج، مطبوع فى القاهرة ١٣٦٨ هـ.
ومن هذه التآليف الذى جاء فصولا وأبوابا فى تواليف أخرى مثل
- ما جاء عن فعلت وأفعلت فى «إصلاح المنطق» لابن السكيت، مطبوع فى القاهرة ١٩٤٩ م.
- وما جاء عن أبنية الأفعال فى «أدب الكاتب» لابن قتيبة، مطبوع فى القاهرة ١٣٢٨ هـ.
- وما جاء عن فعلت وأفعلت فى «فصيح ثعلب»، مطبوع فى القاهرة ١٣٦٨ هـ.
- وما جاء عن فعلت وأفعلت فى «جمهرة ابن دريد»، مطبوع فى حيدرأباد ١٣٤٥ هـ.
وإذا كانت المحاولات السابقة قد وقفت كتبها عند أبنية خاصة، فإن هناك كتبا أخرى تعرض أصحابها للأفعال عامة دون تخصيص بناء منها، وعلى رأس هولاء من المتقدمين «أبو عبيد»، «فابن السكيت»، ومن المتأخرين «ابن سيده».
وفتح «ابن القوطية» أحد علماء الأندلس ونحاته فى القرن الرابع الهجرى بتأليفه كتاب الأفعال الطريق أمام تلاميذه، ومن جاء بعدهم فحذوا حذوه، ووجدنا عدة مصنفات فى هذا الموضوع ترجع فى أغلبها لعلماء من الأندلس وهى:
- كتاب الأفعال لأبى بكر بن القوطية الذى توفى فى سنة سبع وستين وثلاثمائة هـ.
- وكتاب الأفعال لأبى مروان عبد الملك بن طريف الأندلسى تلميذ «ابن القوطية» ذكره «ابن خير» فى فهرسته، وصاحب «بغية الوعاة» فى ترجمة «ابن طريف» فقال: «وله كتاب حسن فى الأفعال (١)»، وتوفى «ابن طريف» سنة أربعمائة تقريبا

(١) فهرسة ابن خير ٣٥٦. وبغية الوعاة ٢ - ١١١.

1 / 9

- وكتاب الأفعال لأبى منصور محمد بن على بن عمر بن الجبّان - أحد العلماء المشارقة - ذكره صاحب «بغية الوعاة» فى ترجمة أبى منصور، فقال: «وصنف أبنية الأفعال (١)» وقد توفى بعد سنة ست عشرة وأربعمائة هـ.
- وكتاب الأفعال لأبى القاسم على بن جعفر السعدى اللغوى المعروف بابن القطاع الصقلى، ذكره «ابن خلكان» فى ترجمته (٢)، توفى سنة خمس عشرة وخمسمائة هـ.
- وكتاب الأفعال لأبى عبد الله محمد بن يحيى بن هشام الأنصارى الخزرجى الأندلسى، قال عنه صاحب البغية: «وصنف فصل المقال فى أبنية الأفعال (٣)»، توفى سنة ست وأربعين وستمائة هـ.
وليس بين أيدينا من كتب هذه المدرسة غير:
- كتاب الأفعال لابن القوطية، طبع فى ليدن ١٨٩٤ م، والقاهرة ١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م.
- وكتاب الأفعال لابن القطاع، طبع فى حيدرأباد ١٣٦١ هـ
وكتاب الأفعال لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المعروف بابن الحداد، توفى فى
حدود سنة أربعمائة، شهيدا فى إحدى الغزوات. وهو الذى أقدّمه محققا لأول مرة، وسوف يتبين لنا أنه أتمّ وأكمل كتاب يقدم للمكتبة العربية فى هذا الموضوع بإذن الله.

(١) بغية الوعاة ١ - ٨٥.
(٢) وفيات الأعيان ٣ - ١١ الترجمة ٤٢٠.
(٣) بغية الوعاة ١ - ٢٦٧

1 / 10

(ب) السرقسطى، ومكانته العلمية، ومؤلفاته
١ - نسب أبى عثمان
هو سعيد بن محمد المعافرى اللغوى، من أهل قرطبة، يكنى أبا عثمان، ويعرف بابن الحداد (١)، ولقّبه بالحمار كل من «حاجى خليفة» صاحب كشف الظنون، و«بروكلمان» فى تاريخ الأدب العربى.
وعبارة كشف الظنون: «ومنهم - أى ممن صنف فى الأفعال - أبو عثمان سعيد بن محمد السرقسطى المنبوز بالحمار (٢) ...
وعبارة «بروكلمان» - الترجمة العربية - «وكان أشهر تلاميذ ابن القوطية» أبا عثمان سعيد بن محمد المعافرى، القرطبى، السرقسطى المعروف بابن الحداد الحمار (٣). ولم يكن أبو عثمان أول من لقب بالحمار. إذ لقب به الخليفة الأموى «مروان بن محمد بن مروان» آخر خلفاء بنى أمية، يتحدث الفخرى عنه، فيقول: «ويقال له الحمار وإنما لقب بالحمار، قالوا: لصبره فى الحرب، وكان شجاعا صاحب دهاء ومكر (٤)».
«وأبو عثمان» هى الكنية التى اختارها «سعيد بن محمد» لنفسه، وآثر أن يصدر بها كلامه فى الأفعال.
وليس نسب المعافرى فى اسم أبى عثمان دليلا على أن أبا عثمان ينتمى إلى أصل عربى؛ لأنه يجوز أن يكون أحد الموالى الذين ينتسبون إلى قبيلة «معافر» بالولاء.

(١) الصلة ١ - ٢١٣، وبغية الوعاة ١ - ٥٨٩.
(٢) كشف الظنون ١ - ١٣٣.
(٣) «بروكلمان» الترجمة العربية ٣ - ٢٨١
(٤) الآداب السلطانية ١٠٩

1 / 11