ختم جامع الترمذی
ختم جامع الترمذي
بسم الله الرحمن الرحيم
[شرح الحديث الأخير من الترمذي]
حدثنا محمد بن بشار، نا أبو عامر العقدي، ثنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس ينو آدم، وآدم خلق من تراب». وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس هذا حديث حسن.
صفحه ۴۷
-حدثنا هارون بن موسى بن أبي علقمة الفروي المديني، حدثني أبي عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أذهب الله عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم وآدم من تراب» هذا حديث حسن، وسعيد المقبري قد سمع من أبي هريرة، ويروي عن أبيه أشياء كثيرة عن أبي هريرة، وقد روى سفيان الثوري وغير واحد هذا الحديث عن هشام بن سعد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث أبي عامر عن هشام بن سعد".
هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأدب من طريق سعيد بن أبي سعيد عن أبيه فقال: حدثنا موسى بن مروان الرقي، ثنا المعافى ح، وحدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، أنا ابن وهب -وهذا حديثه- عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد، والطريق الأولى انفرد بها الترمذي.
والجعل: حيوان معروف كالخنفساء، والجمع: جعلان، كصرد وصردان.
صفحه ۴۸
ودهدهته: دحرجته، وفي الحديث أيضا: [كما] يدهده الجعل خير من الذين ماتوا في الجاهلية، والمراد: الذي يدحرجه من النجس.
عبية الجاهلية: بضم العين المهملة وكسر الموحدة المشددة وفتح المثناة التحتية المشددة: الكبر والنخوة. قال في النهاية: "وتضم عينها وتكسر، وهي فعولة أو فعيلة فإن كانت فعولة فهي من التعبية، لأن المتكبر ذو تكلف وتعبية خلاف من يسترسل على سجيته، وإن كانت فعيلة فهي من عباب الماء وهو أوله وارتفاعه، وقيل: إن اللام قلبت ياء كما فعلوا في تقضي البازي".
وقوله: إنما هو، أي: الأمر والشأن مؤمن تقي، وفاجر شقي. قال الخطابي: "معناه أن الناس رجلان: مؤمن تقي فهو الخير الفاضل وإن لم يكن حسيبا في قومه، وفاجر شقي فهو الدنيء وإن كان في أهله شريفا رفيعا". انتهى.
والحديث وإن كان واردا في الآباء الكفار لكن النهي لا يتقيد بذلك، والأحاديث والآثار متظافرة على النهي عن التفاخر بالأنساب مطلقا؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فليبلغ الشاهد الغائب، ثم ذكر الحديث في تحريم الأموال والدماء والأعراض. رواه البيهقي، وقال: في إسناده بعض من يجهل.
صفحه ۴۹
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى مناديا ينادي: ألا إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا، فجعلت أكرمكم أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان بن فلان خير من فلان بن فلان، فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم، أين المتقون؟».
رواه الطبراني في الأوسط والصغير، والبيهقي مرفوعا وموقوفا.
وفي حديث أبي هريرة الطويل: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه».
وعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى»، رواه أحمد.
صفحه ۵۰
وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحدكم، وإنما أنتم ولد آدم طف الصاع لن تملؤوه، ليس لأحد فضل على أحد إلا بالدين أو عمل صالح، بحسب الرجل أن يكون بذيا بخيلا».
وفي رواية له: «ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو تقوى، وكفى بالرجل أن يكون بذيا فاحشا بخيلا».
وقوله: طف الصاع، أي: قريب بعضكم من بعض، يقال: هذا طف المكيال وطفافه وطفافه، أي: ما قرب من ملئه، والمعنى، كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام. وشبههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال، ثم أعلمهم أن التفاضل ليس بالنسب، ولكن بالتقوى.
ولابن لال والعسكري: الناس كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون بالعاقبة، أي: كلهم متساوون في الصور، وإنما يتفاوتون في الأعمال، فلا تصحبن أحدا لا يرى لك من الفضل ما ترى له.
صفحه ۵۱
ولأبي يعلى وغيره: «كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه».
وقال عمر رضي الله عنه: "المفتخر بآبائه بقوله: أنا ابن بطحاء مكة كديها وكدائها إن يكن لك دين فلك كرم، وإن يكن عقل فلك مروءة، وإن يكن لك مال فلك شرف، وإلا فأنت والحمار سواء".
وروى الطبراني: «إن أهل بيتي يرون أنهم أولى الناس بي، وليس كذلك، إن أولى الناس بي منكم المتقون من كانوا وحيث كانوا».
وروى الشيخان البخاري ومسلم: «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين».
قال الإمام النووي: معنى الحديث: إن وليي من كان صالحا وإن بعد نسبه مني.
صفحه ۵۲
قال الشيخ ابن حجر الهيثمي: وهذا يؤيد ما ورد "آل محمد كل تقي"، ومن ثم لما قال هاشمي لأبي العيناء: تغض مني وأنت تصلي علي في كل صلاة في قولك: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، قال له: إني أريد الطيبين الطاهرين ولست منهم.
ورئي أنصاري في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قيل: بماذا؟ قال: بالنسبة التي بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم، قيل له: أنت شريف؟ قال: لا، قيل: فمن أين النسبة؟ قيل: كنسبة الكلب إلى الراعي. قال راوي ذلك: فأولته بانتسابه إلى الأنصار . وقال غيره: أولته بانتسابه إلى العلم خصوصا علم الحديث لقوله صلى الله عليه وسلم: «أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة»، إذ هم أكثر الناس عليه صلاة صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} إلى قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} نزلت في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يتفسح له: ابن فلانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من الذاكر فلانة؟» فقال ثابت: أنا يا رسول الله، فقال: «انظر في وجوه القوم» فنظر، فقال: «ما رأيت يا ثابت؟» قال: رأيت أبيض وأحمر، قال: «فإنك لا تفضلهم إلا بالدين والتقوى»، فنزلت في ثابت هذه الآية.
صفحه ۵۳
وقال مقاتل: لما كان فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا حتى علا على ظهر الكعبة فأذن فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء، فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا؛ فدعاهم وسألهم عما قالوا: فأقروا فأنزل الله عز وجل هذه الآية وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء. فقال: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}، يعني: آدم وحواء، أي: أنكم متساوون في النسب {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}: ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده لا ليتفاخروا، ثم أخبر أن أرفعهم منزلة عند الله أتقاهم، فقال: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}.
قال قتادة في هذه الآية: أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفجور.
وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحسب المال والكرم التقوى».
صفحه ۵۴
قال ابن عباس: "كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى".
وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه، فلما خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه وقال: «الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها بآبائها، الناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله»، ثم تلا: «{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}» الآية، ثم قال: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم».
صفحه ۵۵
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الاستعانة، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الحمد لله الذي خص أمة محمد صلى الله عليه وسلم بصحيح الإسناد، وأسكن أهل الحديث الفردوس الأعلى فبلغوا المراد، ونور قلوب العلماء بمصابيح أبواب جوامع الإيمان، وزين مقالتهم بالأحاديث الصحاح والحسان.
أحمده على اتباع الكتاب والسنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تكون لقائلها طريقا إلى الجنة، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله ونبيه وحبيبه وخليله، صاحب الشفاعة والولاية والمنقول شرعه بصحيح السند والرواية، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الكرام، وأصحابه الأئمة الأعلام، ما نطق ناطق بحرف ورمق رامق بطرف.
وبعد:
فإن جامع الإمام الحجة المتقن الورع الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي من أجل المصنفات في السنن، وأجمع ما حوته الكتب من الصحيح والحسن، وقد اعتنى الناس به قديما وحديثا، وأكبوا على دراسته والأخذ منه قراءة وتحديثا.
صفحه ۵۶