تنام الطفلة في الساعة التي من حق الطفل فيها أن ينام على فراش لين هادئ، ولكن المنكودة تنام في غير مأوى. يطوف بها والدها المجرم الجاني حيث فصلها من دمائه المعذبة لتنال نصيبها من الشقاء. لا أدري لماذا يلد الناس إذا لم يكن لأولادهم سهم في النوم الهنيء، ولا في الطعام المريء!
نظرت إلى الرجل فاضطرب رأسي بأفكار متناقضة وفؤادي بعاطفة ليست محدودة ولا مضبوطة، فكان يدفعني عامل من الشفقة والحنان، ويهزني عامل آخر من القسوة والظلم، ولربما كان في القسوة والظلم كيان هذا الوجود.
نظرت إلى الرجل نظرة متنمرة، ورفعت الكأس في يدي، وكأني كنت أتخيل نفسي جنديا مظفرا في معمعة كبيرة هائلة، قد نسى من لذة النصر ما تحت بصره من هول الموقف وبشاعة المنظر.
رفعت الكأس لأشربها في صحة الظافرين أمام من لا يجد خبزا، أشربها صرفة أمام من يتجرع الذل والهوان، ولكن فرائصي كادت ترتعد من بقايا شفقة كانت في نفسي، ولم يكن ما ألقى من عسف العيش، وظلم الوجود، ومر الحياة لينزعها من ذلك الفؤاد.
شربت الكأس دفعة واحدة، على أن مذاقها قد كان وا أسفاه مرا ...»
على مسرح الإدارة
القاهرة في 23 من يونيه سنة 1916
قرأت في صحيفة من الصحف ما يأتي:
من زمن غير بعيد، وأنا أمثل دوري على مسرح أعمال الإدارة، وكنت قبل ذلك أشتغل بالزرع، وأدير شؤون فئة من العمال يسعون تحت عيني في أعداد الأرض، وتهيئتها؛ لتنبت رزقنا جميعا. كنت أساجلهم الحديث، وكأني بهؤلاء الفقراء لا شكاة لهم من الفقر، ولا يتذمرون منه؛ لأنهم يملكون متاعا طيبا غير المال بجانب رزقهم الضئيل، يملكون الهواء الطلق، ورئتين واسعتين تخرج قهقهة الضحك عالية، وتهز الهواء هزا. يملكون زهر الربيع، ودر الندى، ونور الفجر المنبثق، وجمال الأصيل، وهدآت الليل الساكن، وكواكب الصيف الريفي الجميل.
كنت قرير النفس بأعمال الحقول، وكادت تنسيني الحياة الريفية الرتيبة، التي قل ما يتناولها التغيير كثيرا مناظر العوز والفقر الفاشي بين سكان المدينة، على أنني لما عدت إلى القاهرة، واستبقاني صحابي بينهم، وساقني القضاء المحتوم إلى عمل عام في منصب من مناصب الإدارة، تبينت إذ ذاك صورة جديدة من أحوال البشر. صورة التنافس في السلطة، والمكر السيئ والمكر المحمود، والخديعة، والحسد، والجبن، والتشفي، والنفاق، والرياء، وغير ذلك من صفات تلصق بالجماعات التي تتعدد فيها الوظائف، وتتفاوت فيها مراتب الموظفين.
صفحه نامشخص