کاشف امین
الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين
قلت: والذي يبطل كلام الأشعرية أنه لو كان كونه متكلما صفة من صفات الذات كالقادرية والعالمية ونحوهما لكان متكلما بكل أنواع الكلام، إذ لا اختصاص للصفة الذاتية بنوع من أنواع متعلقاتها دون نوع كالقادرية، فإنه تعالى لما كان كونه قادرا صفة ذاتية كان قادرا على كل المقدورات، وكالعالمية فإنه تعالى لما كان عالما صفة ذاتية كان عالما بكل المعلومات، ولا اختصاص لذاته بمقدور دون مقدور ولا بمعلوم دون معلوم، بل هو على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، فلو كان كونه متكلما صفة ذاتية لكان كصفة قادر وصفة عالم فيلزم أن يكون متكلما بكل أنواع الكلام كالصدق والكذب والجد والهزل والهزؤ والسخرية، وجميع أنواع الكلام من حق وباطل ومدح وثناء على نفسه وأوليائه وأعدائه وذم وسب ولعن لكل من الملائكة والأنبياء والمؤمنين والكافرين والفاسقين، والتزام ذلك جهالة مفرطة وخروج من الدين وعدم التزامه معاندة ظاهرة إذ قد جعلوها كقادر وعالم، فلا وجه للفرق مع الاتفاق في كون الجميع صفة ذات متعلقة، وقولنا: متعلقة، تخرج صفة حي وموجود فلا يتعلقان بشيء، فلزم بطلان القول بأن صفة متكلم صفة ذات، ولزم القول بأنها صفة فعل كخالق ورازق ومتفضل وسائر صفات الأفعال ولأنه يدخلها التضاد، تقول: الله يقول الحق ولا يقول الباطل أو يتكلم بالحق ولا يتكلم بالباطل، ولو كانت ذاتية لما دخلها التضاد كما لا يدخل في قادر وعالم فلا يقال: الله قادر على كذا غير قادر على كذا ولا عالم بكذا غير عالم بكذا.
وبهذا تقرر أن الكلام من صفات الأفعال التي يفعلها عز وجل متى شاء وأين شاء وكيف ما شاء يفعل منه ما كان حسنا كالصدق والإرشاد ونحوهما، ولا يفعل منه ما كان قبيحا كالكذب والتعمية ونحوهما.
لا يقال: هذا لا يلزم كما أنه لا يلزم من كونه قادرا وعالما بالقبيح فلا يلزم أنه فاعله، فكذلك وإن كان متكلما بصفة ذاتية كقادر وعالم فلا يلزم أنه متكلم بالقبيح.
صفحه ۱۵۷