کاشف امین
الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين
ستفهم شرط الوصل صفها وصف بها .... بكف ونفي مصدرا زد لتفهم فحملهم لما على أنها مصدرية من بين جميع المعاني المذكورة اتباعا للمتشابه لأن حقيقته ما احتمل معنيين فأكثر لم يعلم المراد منها إلا بدليل أو يقال المحكم ما اتضح معناه والمتشابه بخلافه، وهو ما لم يتضح معناه فالحد متحد،وكذلك قوله تعالى: {والله لا يحب الفساد} [البقرة:205]، {ولا يرضى لعباده الكفر} [الزمر:7]، {وما الله يريد ظلما للعباد} [غافر:31]،{كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} [الإسراء:38]، {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} [محمد:28]، كل هذه الآيات مصرحة أنه لا يريد المعاصي بل يكرهها ويسخطها وأنها أعمالهم فرفضوا ذلك كله وجعلوه من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله مع أنه كما تراه واضح المعنى ثابت المبنى يفهمه كل من سمعته أذنه واتبعوا المتشابه نحو: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} [الإنسان:30]، {ولو شاء الله ما اقتتلوا} [البقرة:253]، {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} [السجدة:13]، {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس:99]، لأن هذه الآيات إذا حملت على ظواهرها لم يعقل المعنى المراد لأن قوله تعالى{ولو شاء ربك{ محذوف مفعول المشيئة، وكذلك {ولو شئنا{لم يذكر مفعوله، {ولو شاء الله{، {وما تشاءون إلا أن يشاء الله{، كلها محذوف فعل المشيئة منهم ومنه تعالى، ومع كونه محذوفا لم يصح أن يقدر على حسب ما قدروه لتطابق الآيات مذهبهم بأن المعنى لو شاء الله الإيمان، وإن سلمناه على التنزل فما المانع من أن المراد لو شاء الله الإيمان كرها لفعل أو لما أشركوا يدل عليه: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس:99]، فثبت بهذه الآيات وأمثالها أنهم اتبعوا المتشابه المحتمل، ورفضوا المحكم الذي لا يحتمل التأويل، وذلك لا يجوز لأنه سمة الذين في قلوبهم زيغ كما نطقت به الآية الكريمة.
الوجه السادس: أنهم ذهبوا إلى أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله وأن الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله، وهذا وإن قال به بعض السلف الصالح فإنهم عملوا بموجب هذا القول ولم يأخذوا بالمتشابه ولا دانوا بجبر ولا تشبيه ولا إرجاء ولا غير ذلك من العقائد الردية والمقالات الكفرية كما سيأتي في نقل شيء من كلامهم الذي يدل على أنهم كانوا رحمهم الله تعالى على حسب ما ذكرنا بخلاف هؤلاء القوم، فإنهم قالوا بذلك ولم يقفوا عند حده ولا دانوا بموجبه بل تركوا العمل به وعملوا بخلافه واتبعوا ظواهر المتشابهات من الآيات الكريمة واعتمدوا الشواذ من روايات الأحاديث الضعيفة وأسانيد أهل الابتداع وأعوان الظلمة ورجحوها على صرائح الآيات المحكمة والأحاديث المعلومة برواية الموالف والمخالف، وما ظنك بقوم عدلوا عن سفينة نوح وتركوا الدخول من باب حطة وباب السلم المفتوح قرناء الكتاب وحجج الله على جميع خلقه إلى يوم الحساب.
فهذا ما نوجهه ونقدمه في وجوه القوم عند إرادتهم الاستدلال بالسمع على سبيل الإجمال، ثم نأخذ بعدهم في تتبع شبههم السمعية ونبطلها شبهة شبهة على سبيل التفصيل {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل{.
قالوا: قال تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} [الأنبياء:73]، {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} [القصص:41]، {ربنا واجعلنا مسلمين لك } [البقرة:128]، {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} [إبراهيم:40].
صفحه ۴۶۳