کشف الغمه
كشف الغمة
عطشانا. فقال أمير المؤمنين: اسمعوا ما يقول الراهب، فقالوا: تأمرنا أن نسير إلى حيث أومأ إلينا لعلنا ندرك الماء وبنا قوة؟ فقال (عليه السلام): لا حاجة بكم إلى ذلك، ولوى عنق بغلته نحو القبلة وأشار إلى مكان بقرب الدير أن اكشفوه، فكشفوه فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع، فقالوا: يا أمير المؤمنين هنا صخرة لا تعمل فيها المساحي، فقال: هذه الصخرة على الماء فاجتهدوا في قلعها فإن زالت عن موضعها وجدتم الماء، فاجتمع القوم وراموا تحريكها فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا واستصعبت عليهم، فلما رأى ذلك لوى رجله عن سرجه وحسر عن ساعده، ووضع أصابعه تحت جانب الصخرة فحركها وقلعها بيده ودحا بها أذرعا كثيرة، فظهر لهم الماء، فبادروه وشربوا فكان أعذب ماء شربوه في سفرهم وأبرده وأصفاه، فقال: تزودوا وارتووا ففعلوا، ثم جاء إلى الصخرة فتناولها بيده ووضعها حيث كانت، وأمر أن يعفى أثرها بالتراب، والراهب ينظر من فوق ديره، فنادى: يا قوم أنزلوني فأنزلوه، فوقف بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا هذا أنت نبي مرسل؟ قال: لا، قال: فملك مقرب؟ قال: لا، قال: فمن أنت؟
قال: أنا وصي رسول الله محمد بن عبد الله خاتم النبيين، قال: أبسط يدك على يدي أسلم على يديك، فبسط أمير المؤمنين يده وقال له: أشهد الشهادتين، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأشهد أنك وصي رسول الله، وأحق الناس بالأمر من بعده، فأخذ عليه شرائط الإسلام وقال له: ما الذي دعاك إلى الإسلام بعد إقامتك على دينك طول المدة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الدير بني على طلب قالع هذه الصخرة ومخرج الماء من تحتها، وقد مضى على ذلك عالم قبلي لم يدركوا ذلك فرزقنيه الله عز وجل، إنا نجد في كتبنا ونأثر على علمائنا أن في هذا الموضع عينا عليها صخرة (عظيمة) لا يعرفها إلا نبي أو وصي نبي، وأنه لا بد من ولي الله يدعو إلى الحق، آيته معرفة مكان هذه الصخرة وقدرته على قلعها، ولما رأيتك قد فعلت ذلك تحقق ما كنا ننتظره، وبلغت الامنية، وأنا اليوم مسلم على يدك ومؤمن بحقك ومولاك.
فلما سمع أمير المؤمنين ذلك بكى حتى اخضلت لحيته من الدموع، وقال:
الحمد لله الذي لم أكن عنده منسيا، الحمد لله الذي كنت في كتبه مذكورا، ثم دعا الناس فقال: اسمعوا ما يقول أخوكم المسلم، فسمعوا وحمدوا الله وشكروه إذ ألهمهم
صفحه ۲۷۶