کشف الاسرار

كشف الأسرار شرح أصول البزدوي

ناشر

شركة الصحافة العثمانية

ویراست

الأولى

سال انتشار

مطبعة سنده ١٣٠٨ هـ - ١٨٩٠ م

محل انتشار

إسطنبول

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
الْحَمْدُ لِلَّهِ مُصَوِّرِ النَّسَمِ فِي شَبَكَاتِ الْأَرْحَامِ بِلَا مُظَاهَرَةٍ وَمَعُونَةٍ، وَمُقَدِّرِ الْقَسَمِ لِطَبَقَاتِ الْأَنَامِ بِلَا كُلْفَةٍ وَمَئُونَةٍ، شَارِعِ مَشَارِعِ الْأَحْكَامِ بِلُطْفِهِ وَأَفْضَالِهِ، نَاهِجِ مَنَاهِجِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِكَرَمِهِ وَنَوَالِهِ، مُبْدِعِ فَرَائِدِ الدُّرَرِ مِنْ خَطَرَاتِ الْفِكْرِ بِسَحَائِبِ فَضْلِهِ وَإِكْرَامِهِ، مُنْشِئِ لَطَائِفِ الْعِبَرِ مِنْ شَوَاهِدِ النَّظَرِ بِرَوَاتِبِ طُولِهِ وَإِنْعَامِهِ، الَّذِي أَكْمَلَ بِعِنَايَتِهِ رَوْنَقَ الدِّينِ وَأُبَّهَةَ الْإِسْلَامِ، وَصَيَّرَ بِرِعَايَتِهِ الْمِلَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ مُرْتَفِعَةَ الْأَعْلَامِ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا تَاهَ فِي وَصْفِهِ أَفْهَامُ الْعُقَلَاءِ، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا حَارَ فِي قَدْرِهِ أَوْهَامُ الْأَلِبَّاءِ، عَلَى مَا أَوْضَحَ مَنَاهِجَ الشَّرْعِ وَرَفَعَ مَعَالِمَهُ، وَأَحْكَمَ قَوَاعِدَ الدِّينِ وَأَثْبَتَ دَعَائِمَهُ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً رَسَخَتْ عُرُوقُهَا فِي صَمِيمِ الْجَنَانِ، وَدَعَتْ صَاحِبَهَا إلَى نَعِيمِ الْجِنَانِ.
وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي جَبَلَهُ اللَّهُ مِنْ سُلَالَةِ الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ، وَبَعَثَهُ إلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ وَالْأُمَمِ، فَأَبَانَ مَعَالِمَ الدِّينِ وَأَثَارَهُ، وَأَضَاءَ سُبُلَ الْيَقِينِ وَمَنَارَهُ، حَتَّى سَطَعَ نُورُ الشَّرْعِ عَنْ ظَلَامِ الْجَفَاءِ بِحُسْنِ عِنَايَتِهِ، وَظَهَرَ نُورُ الدِّينِ عَنْ أَكْمَامِ الْخَفَاءِ بِيُمْنِ كِفَايَتِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - الَّذِينَ لَمْ تُسْتَرْ أَقْمَارُ دِينِهِمْ بِغَمَامِ الشَّكِّ وَالْبَدَاءِ، وَلَمْ تَحْتَجِبْ أَنْوَارُ يَقِينِهِمْ بِأَكْمَامِ الْأَهْوَاءِ، صَلَاةً تَتَجَدَّدُ عَلَى تَعَاقُبِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَتَتَزَايَدُ عَلَى انْتِقَاصِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
(وَبَعْدُ) فَإِنَّ عُلُومَ الدِّينِ أَحَقُّ الْمَفَاخِرِ بِالتَّوْقِيرِ وَالتَّبْجِيلِ، وَأَوْلَى الْفَضَائِلِ بِالتَّفْضِيلِ وَالتَّحْصِيلِ، إذْ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ لِنَيْلِ السَّعَادَاتِ فِي الدُّنْيَا، وَالْمِرْقَاةُ الْمَنْصُوبَةُ إلَى الْفَوْزِ بِالْكَرَامَاتِ فِي الْعُقْبَى، بِنُورِهَا يُهْتَدَى مِنْ ظُلُمَاتِ الْغَوَايَةِ

1 / 2

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَبِيُمْنِهَا يُرْتَقَى مِنْ حَضِيضِ الْجَهَالَةِ إلَى ذُرْوَةِ الِاجْتِهَادِ، لَا سِيَّمَا عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ الَّذِي هُوَ أَصْعَبُهَا مَدَارِكَ، وَأَدَقُّهَا مَسَالِكَ، وَأَعَمُّهَا عَوَائِدَ، وَأَتَمُّهَا فَوَائِدَ، لَوْلَاهُ لَبَقِيَتْ لَطَائِفُ عُلُومِ الدِّينِ كَامِنَةَ الْآثَارِ، وَنُجُومُ سَمَاءِ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ مَطْمُوسَةَ الْأَنْوَارِ، لَا تَدْخُلُ مَيَامِنُهُ تَحْتَ الْإِحْصَاءِ، وَلَا تُدْرَكُ مَحَاسِنُهُ بِالِاسْتِقْصَاءِ.
ثُمَّ إنَّ كِتَابَ أُصُولِ الْفِقْهِ الْمَنْسُوبَ إلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمُعَظَّمِ، وَالْحَبْرِ الْهُمَامِ الْمُكَرَّمِ، الْعَالِمِ الْعَامِلِ الرَّبَّانِيِّ، مُؤَيِّدِ الْمَذْهَبِ النُّعْمَانِيِّ، قُدْوَةِ الْمُحَقِّقِينَ أُسْوَةِ الْمُدَقِّقِينَ صَاحِبِ الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ وَالْكَرَامَاتِ السَّنِيَّةِ مَفْخَرِ الْأَنَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَزْدَوِيِّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَأَسْكَنَهُ أَعْلَى مَنَازِلِ الْجِنَانِ، امْتَازَ مِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي هَذَا الْفَنِّ شَرَفًا وَسُمُوًّا، وَحَلَّ مَحَلَّهُ مَقَامَ الثُّرَيَّا مَجْدًا وَعُلُوًّا، ضَمَّنَ فِيهِ أُصُولَ الشَّرْعِ وَأَحْكَامَهُ، وَأَدْرَجَ فِيهِ مَا بِهِ نِظَامُ الْفِقْهِ وَقِوَامُهُ، وَهُوَ كِتَابٌ عَجِيبُ الصَّنْعَةِ رَائِعُ التَّرْتِيبِ، صَحِيحُ الْأُسْلُوبِ مَلِيحُ التَّرْكِيبِ، لَيْسَ فِي جَوْدَةِ تَرْكِيبِهِ وَحُسْنِ تَرْتِيبِهِ مِرْيَةٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ عَبَّادَانَ قَرْيَةٌ، لَكِنَّهُ صَعْبُ الْمَرَامِ، أَبِي الزِّمَامِ، لَا سَبِيلَ إلَى الْوُصُولِ إلَى مَعْرِفَةِ لُطْفِهِ وَغَرَائِبِهِ، وَلَا طَرِيقَ إلَى الْإِحَاطَةِ بِطُرَفِهِ وَعَجَائِبِهِ، إلَّا لِمَنْ أَقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى تَحْقِيقِهِ وَتَحْصِيلِهِ، وَشَدَّ حَيَازِيمَهُ لِلْإِحَاطَةِ لِجُمْلَتِهِ وَتَفْصِيلِهِ، بَعْدَ أَنْ رُزِقَ فِي اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ ذِهْنًا جَلِيًّا، وَذَرْعًا مَنْ هُوَ أَجَسُّ أَضَالِيلِ الْمُنَى خَلِيًّا، وَقَدْ تَبَحَّرَ مَعَ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ وَالْفُرُوعِ، وَأَحَاطَ بِمَا جَاءَ فِيهَا مِنْ الْمَنْقُولِ وَالْمَسْمُوعِ.
وَقَدْ سَأَلَنِي إخْوَانِي فِي الدِّينِ، وَأَعْوَانِي عَلَى طَلَبِ الْيَقِينِ، أَنْ أَكْتُبَ لَهُمْ شَرْحًا يَكْشِفُ عَنْ أَوْجُهِ غَوَامِضِ مَعَانِيهِ نِقَابَهَا، وَيَرْفَعُ عَنْ اللَّطَائِفِ الْمُسْتَتِرَةِ فِي مَبَانِيهِ حِجَابَهَا، وَيُوَضِّحُ مَا أُبْهِمَ مِنْ رُمُوزِهِ وَإِشَارَاتِهِ الْمُعْضِلَةِ، وَيُبَيِّنُ مَا أُجْمِلَ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَعِبَارَاتِهِ الْمُشْكِلَةِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنِّي لَمَّا اسْتَسْعَدْت بِخِدْمَةِ شَيْخِي، وَسَيِّدِي وَسَنَدِي وَأُسْتَاذِي وَعَمِّي، وَهُوَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ الرَّبَّانِيُّ، وَالْقَرْمُ الْمُدَقِّقُ الصَّمَدَانِيُّ، نَاصِبُ رَايَاتِ الشَّرِيعَةِ، كَاشِفُ آيَاتِ الْحَقِيقَةِ، فَتَّاحُ أَقْفَالِ الْمُشْكِلَاتِ، كَشَّافُ غَوَامِضِ الْمُعْضِلَاتِ، فَخْرُ الْحَقِّ وَالدِّينِ، مَلَاذُ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَالَمِينَ، قُطْبُ الْمُتَهَجِّدِينَ، خَتْمُ الْمُجْتَهِدِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ إلْيَاسِ الْمَايَمُرْغِيُّ أَفَاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ سِجَالَ إنْعَامِهِ وَغُفْرَانِهِ، وَصَبَّ عَلَيْهِ شَآبِيبَ إكْرَامِهِ وَرِضْوَانِهِ، وَنَشَأْت فِي حِجْرِهِ بِرَوَاتِبِ بِرِّهِ وَأَفْضَالِهِ، وَرُبِّيتُ فِي بَيْتِهِ بِصَنَائِعِ جُودِهِ وَنَوَالِهِ، لَعَلِّي فُزْت بِدُرَرٍ مَنْ غُرَرِ فَرَائِدِهِ.
وَأَخَذْتُ حَظًّا وَافِرًا مِنْ مَوَائِدِ فَوَائِدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مُخْتَصًّا مِنْ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ بِاتِّفَاقِ الْأَنَامِ بِتَحْقِيقِ دَقَائِقِ مُصَنَّفَاتِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَاسْتَعْفَيْتُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِيرِ وَتَشَبَّثْتُ بِأَهْدَابِ الْمَعَاذِيرِ، عِلْمًا مِنِّي بِأَنِّي لَسْت مِنْ فُرْسَانِ هَذَا الْمَيْدَانِ، وَلَا لِي بِالْإِبْلَاءِ فِي مَوَاقِفِهِ يَدَانِ، وَأَيْنَ أَنَا مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَحَيَّرَتْ الْفُحُولُ فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِهِ، بَعْدَ تَهَالُكِهِمْ فِي بَحْثِهِ وَتَنْقِيرِهِ، وَعَجَزَتْ التَّحَارِيرُ عَنْ دَرْكِ مُعْضِلَاتِهِ، مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى تَحْقِيقِهِ وَتَفْكِيرِهِ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إلَّا الْمُبَالَغَةَ فِي الْإِلْحَاحِ عَلَيَّ، وَالْإِقَامَةَ فِي مَوَاقِفِ الِاقْتِرَاحِ لَدَيَّ، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ إنْجَاحِ مَسْئُولِهِمْ، وَلَا مَنْدُوحَةَ عَنْ تَحْقِيقِ مَأْمُولِهِمْ، فَأَجَبْتهمْ إلَى مُلْتَمَسِهِمْ تَفَادِيًا مِنْ عُقُوقِهِمْ، وَسَعْيًا

1 / 3

[مُقَدِّمَة الْكتاب]
أُصُولُ بَزْدَوِيٍّ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ النَّسَمِ وَرَازِقِ الْقَسَمِ
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى أَدَاءِ حُقُوقِهِمْ، وَشَرَعْت فِي هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الْمُهِمِّ، وَالْخَطْبِ الْجَسِيمِ الْمُدْلَهِمِّ، مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ الْكَرِيمِ الْجَلِيلِ، رَاجِيًا مِنْهُ أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ، مُتَوَكِّلًا عَلَى كَرَمِهِ الشَّامِلِ فِي طَلَبِ التَّوْفِيقِ لِإِتْمَامِهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى إنْعَامِهِ الْعَامِّ فِي سُؤَالِ التَّيْسِيرِ لِابْتِدَائِهِ وَاخْتِتَامِهِ.
رَاغِبًا إلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَلَ مَا أُقَاسِيهِ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، مُتَعَوِّذًا بِهِ مِنْ أَنْ يَتَلَقَّانِي بِسَخَطِهِ وَعِقَابِهِ الْأَلِيمِ، مُبْتَهِلًا إلَيْهِ فِي أَنْ يَحْفَظَنِي عَنْ الْخَطَإِ وَالزَّلَلِ، وَيُلْهِمَنِي طَرِيقَ الصَّوَابِ وَالسَّدَادِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ فِي أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ وَأَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ، وَيَجْمَعَنِي وَإِيَّاهُمْ بِبَرَكَاتِ جَمْعِهِ فِي دَارِ السَّلَامِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكِتَابُ كَاشِفًا عَنْ غَوَامِضَ مُحْتَجِبَةٍ عَنْ الْأَبْصَارِ نَاسَبَ أَنْ سَمَّيْتُهُ كَشْفَ الْأَسْرَارِ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ كِتَابًا سَبَقَ عَامَّةَ الشُّرُوحِ تَرْتِيبًا وَجَمَالًا، وَفَاقَ نَظَائِرَهُ تَحْقِيقًا وَكَمَالًا، وَمَنْ نَظَرَ فِيهِ بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ، عَرَفَ دَعْوَى الصِّدْقِ مِنْ الْخِلَافِ، ثُمَّ إنِّي، وَإِنْ لَمْ آلُ جُهْدًا فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَتَرْتِيبِهِ، وَلَمْ أَدَّخِرْ جِدًّا فِي تَسْدِيدِهِ وَتَهْذِيبِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ عَثْرَةٌ وَزَلَلٌ، وَأَنْ يُوجَدَ فِيهِ خَطَأٌ وَخَطَلٌ، فَلَا يَتَعَجَّبُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ وَلَا يَسْتَنْكِفُهُ بَشَرٌ وَقَدْ رَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ لَهُ إنِّي صَنَّفْت هَذِهِ الْكُتُبَ فَلَمْ آلُ فِيهَا الصَّوَابَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا مَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةَ رَسُولِهِ ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ فَإِنِّي رَاجِعٌ عَنْهُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيّ قَرَأْت كِتَابَ الرِّسَالَةِ عَلَى الشَّافِعِيِّ ثَمَانِينَ مَرَّةً فَمَا مِنْ مَرَّةٍ إلَّا وَكُنَّا نَقِفُ عَلَى خَطَإٍ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيهِ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابٌ صَحِيحًا غَيْرَ كِتَابِهِ فَالْمَأْمُولُ مِمَّنْ وَقَفَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ جَانَبَ التَّعَصُّبَ وَالتَّعَسُّفَ وَنَبَذَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ التَّكَلُّفَ وَالتَّصَلُّفَ، أَنْ يَسْعَى فِي إصْلَاحِهِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ، أَدَاءً لِحَقِّ الْأُخُوَّةِ فِي الْإِيمَانِ، وَإِحْرَازًا لِحُسْنِ الْأُحْدُوثَةِ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَإِدْخَارًا لِجَزِيلِ الْمَثُوبَةِ فِي دَارِ السَّلَامِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُثِيبُ عَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ) عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ سَتَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ وَغَفَرَ ذُنُوبَهُ.
حَدَّثَنِي بِهَذَا الْكِتَابِ شَيْخِي وَأُسْتَاذِي وَعَمِّي الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ آنِفًا قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِسَرَخْسَ فِي الْمَدْرَسَةِ الْمَلَكِيَّةِ الْعَبَّاسِيَّةِ قَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أُسْتَاذُ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا مُظْهِرُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْعُلْيَا شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّتَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَرْدَرِيُّ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إلَى بَابِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ وَمِنْهُ إلَى آخِرِ الْكِتَابِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ وَالْقَرْمُ الْهُمَامُ بَدْرُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْكَرْدَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهُ رَاوِيًا عَنْ حَالِهِ هَذَا قَالَ حَدَّثَنَا شَيْخُ شُيُوخِ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْجَلِيلِ الرِّشْدَانِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا إمَامُ الْأَئِمَّةِ وَمُقْتَدَى الْأُمَّةِ نَجْمُ الدِّينِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ النَّسَفِيُّ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْمُصَنِّفِ قَدَّسَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ (الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ النَّسَمِ وَرَازِقِ الْقَسَمِ) جَرَتْ سُنَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِذِكْرِ الْحَمْدِ فِي أَوَائِلِ تَصَانِيفِهِمْ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِنَّهُ مُعَنْوَنٌ بِهِ وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵇ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» وَالْحَمْدُ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْجَمِيلِ مِنْ نِعْمَةٍ وَغَيْرِهَا يُقَالُ حَمِدْته عَلَى إنْعَامِهِ وَحَمِدْته عَلَى شَجَاعَتِهِ وَاللَّامُ فِيهِ لِاسْتِغْرَاقِ

1 / 4

مُبْدِعِ الْبَدَائِعِ وَشَارِعِ الشَّرَائِعِ دِينًا رَضِيًّا وَنُورًا مُضِيًّا
ــ
[كشف الأسرار]
الْجِنْسِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ أَيْ الْحَمْدُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ اسْمٌ تَفَرَّدَ بِهِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ يَجْرِي فِي وَصْفِهِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لَا شَرِكَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أَيْ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ غَيْرَهُ كَذَا رُوِيَ عَنْ الْخَلِيلِ وَابْنِ كَيْسَانَ وَلِهَذَا اخْتَصَّ الْحَمْدُ بِهَذَا الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ كَالْعَلَمِ لِلذَّاتِ كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ فَكَانَ إضَافَةُ الْحَمْدِ إلَيْهِ إضَافَةً لَهُ إلَى جَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِيمَانَ اخْتَصَّ بِهَذَا الِاسْمِ حَيْثُ قَالَ ﵇ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» مَعَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَجْمِعٌ لِلصِّفَاتِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ مِنْ سُنَّةِ التَّأْلِيفِ أَنْ يُوَافِقَ التَّحْمِيدُ مَضْمُونَهُ.
وَغَرَضُ الشَّيْخِ مِنْ هَذَا التَّصْنِيفِ بَيَانُ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْفِقْهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا قَالَ " خَالِقِ النَّسَمِ " إذْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ النَّفْسِ لِتَعْرِفَ مَا شُرِعَ لَهَا مِثْلُ الْعُقُودِ وَمَا شُرِعَ عَلَيْهَا مِثْلُ الْوَاجِبَاتِ وَالْخَالِقُ هَهُنَا بِمَعْنَى الْإِيجَادِ وَالنَّسَمَةُ الْإِنْسَانُ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالنَّسَمُ جَمْعُ نَسَمَةٍ وَفِي الْمُغْرِبِ النَّسَمَةُ النَّفْسُ مِنْ نَسَمَ الرِّيحُ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهَا النَّفْسُ وَمِنْهَا أَعْتَقَ النَّسَمَةَ وَاَللَّهُ بَارِئُ النَّسَمِ وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ مُحْتَاجًا إلَى الْعَطَاءِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ رَازِقِ الْقَسَمِ أَيْ مُعْطِي الْعَطَايَا، وَالرِّزْقُ الْعَطَاءُ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَوْلِك رَزَقَهُ اللَّهُ وَالْقَسَمُ جَمْعُ قِسْمَةٍ بِمَعْنَى الْقَسْمِ، وَهُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ مِنْ الْخَيْرِ وَفِي ذِكْرِ الرِّزْقِ دُونَ الْإِعْطَاءِ لُطْفٌ، وَهُوَ أَنَّ الرِّزْقَ مَا يُفْرَضُ لِلْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْعَطَاءِ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُفْرَضُ لِلْعُمَّالِ مِثْلُ الْمُقَاتِلَةِ وَالْإِنْسَانُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ لَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى كَسْبٍ وَعَمَلٍ فَكَانَ ذِكْرُ الرِّزْقِ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً مِنْ ذِكْرِ الْعَطَاءِ مَعَ أَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ صَنْعَةِ التَّرْصِيعِ.
قَوْلُهُ (مُبْدِعِ الْبَدَائِعِ وَشَارِعِ الشَّرَائِعِ) الْإِبْدَاعُ الِاخْتِرَاعُ لَا عَلَى مِثَالٍ وَالْبَدَائِعُ جَمْعُ بَدِيعٍ بِمَعْنَى مُبْتَدِعٍ أَيْ مُخْتَرِعِ الْمَوْجُودَاتِ بِلَا مَادَّةٍ وَمِثَالٍ بِقُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ وَحِكْمَتِهِ الشَّامِلَةِ وَفِي ذِكْرِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِدُونِ الْوَاوِ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ خَالِقِ النَّسَمِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ خَلْقَ مِثْلِ هَذَا الْمَوْجُودِ الَّذِي فِيهِ أُنْمُوذَجٌ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْعَالَمِ حَتَّى قِيلَ هُوَ الْعَالَمُ الْأَصْغَرُ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ وَغَرَائِبِ حِكْمَتِهِ ثُمَّ هَذَا الْجِنْسُ لَمَّا خُلِقُوا عَلَى هِمَمٍ شَتَّى وَطَبَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ وَأَهْوَاءٍ مُتَبَايِنَةٍ لَا يَكَادُونَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى شَيْءٍ وَيَبْعَثُ لِكُلِّ وَاحِدٍ هِمَّتَهُ إلَى مَا يَسْتَلِذُّ طَبْعُهُ وَفِيهِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي فِي الْعَاجِلِ إلَى التَّقَاتُلِ وَالتَّفَانِي وَفِي الْآجِلِ إلَى اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، شَرَعَ الشَّرَائِعَ زَاجِرًا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَجَامِعًا لَهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ مُسْتَقِيمٍ فَكَانَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ، وَالشَّرْعُ الْإِظْهَارُ وَشَرَعَ لَهُمْ كَذَا أَيْ بَيَّنَ وَالشَّرَائِعُ جَمْعُ شَرِيعَةٍ، وَهِيَ مَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مِنْ الدِّينِ ثُمَّ ضَمَّنَ الشَّارِعُ مَعْنَى الْجَعْلِ وَالتَّصْيِيرِ فَانْتَصَبَ دِينًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ أَيْ جَاعِلُ الشَّرَائِعِ دِينًا رَضِيًّا أَوْ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ الشَّرَائِعِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِوُجُودِ مَعْنَى الصِّفَةِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ كَمَا انْتَصَبَ قُرْآنًا عَلَى الْحَالِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣] مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِوَصْفٍ أَيْ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صَالِحًا وَالدِّينُ وَضْعٌ إلَهِيٌّ سَائِقٌ لِذَوِي الْعُقُولِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى الْخَيْرِ بِالذَّاتِ وَالرِّضَى الْمَرْضِيُّ وَوَصَفَهُ بِهِ اقْتِدَاءً بِقَوْلِهِ ﷿ ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] أَيْ اخْتَرْته لَكُمْ مِنْ بَيْنِ الْأَدْيَانِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ

1 / 5

وَذِكْرًا لِلْأَنَامِ وَمَطِيَّةً إلَى دَارِ السَّلَامِ أَحْمَدُهُ عَلَى الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى طَلَبِ الرِّضْوَانِ وَنَيْلِ أَسْبَابِ الْغُفْرَانِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ الشَّرَائِعِ مَشْرُوعَاتُ هَذِهِ الْمِلَّةِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ دِينًا عَلَى صِيغَةِ الْوَاحِدِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﵉ لَقِيلَ أَدْيَانًا رَضِيَّةً وَأَنْوَارًا مُضِيئَةً وَالنُّورُ لُغَةً اسْمٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الْعَارِضَةِ مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنَّارِ عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ مِثْلِ الْأَرْضِ وَالْجِدَارِ وَمِنْ خَاصِّيَّتِهِ أَنْ تَصِيرَ الْمَرْئِيَّاتُ بِسَبَبِهِ مُتَجَلِّيَةً مُنْكَشِفَةً وَلِذَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ هُوَ الظَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ.
ثُمَّ تَسْمِيَةُ الدِّينِ نُورًا بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الْحَقِّ لِلْبَصِيرَةِ كَمَا أَنَّ النُّورَ الْجُسْمَانِيَّ سَبَبٌ لِظُهُورِ الْأَشْيَاءِ لِلْبَصَرِ وَالْإِضَاءَةُ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٍ قَالَ النَّابِعَةَ الْجَعْدِيِّ:
أَضَاءَتْ لَنَا النَّارُ وَجْهًا أَغَرَّ ... مُلْتَبِسًا بِالْفُؤَادِ الْتِبَاسَا
يُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِيطِ ... لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا
، فَاسْتَعْمَلَهُ بِالْمَعْنَيَيْنِ وَاللُّزُومُ هُوَ الْمُخْتَارُ وَالضِّيَاءُ أَقْوَى مِنْ النُّورِ وَأَتَمُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى الشَّمْسِ وَالنُّورُ إلَى الْقَمَرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] ثُمَّ الشَّيْخُ وَصَفَ الدِّينَ بِالنُّورِ أَوَّلًا كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ [الشورى: ٥٢] أَيْ جَعَلْنَا الْإِيمَانَ نُورًا وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨] أَيْ دِينِهِ ثُمَّ وَصَفَهُ بِالْإِضَاءَةِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فِي حَقِّ الْمُتَمَسِّكِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ نُورِ الْقَمَرِ ثُمَّ يَتَزَايَدُ بِالتَّأَمُّلِ وَالِاسْتِدْلَالِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ ضَوْءَ الشَّمْسِ.
وَلِأَنَّ الْخَلْقَ كَانُوا فِي ظُلْمَةٍ ظَلْمَاءَ قَبْلَ الْبَعْثِ فَكَانَ ظُهُورُ الدِّينِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ نُورِ الْقَمَرِ فِي الظُّلْمَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ ثُمَّ ازْدَادَ حَتَّى بَلَغَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ بِمَنْزِلَةِ ضِيَاءِ الشَّمْسِ؛ فَلِهَذَا وَصَفَهُ بِهِمَا؛ وَلِأَنَّ اسْتِنَارَةَ الْعَالَمِ الْجُسْمَانِيِّ بِهَذَيْنِ الْكَوْكَبَيْنِ فَوَصَفَهُ بِالنُّورِ وَالْإِضَاءَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هُوَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَذِكْرًا لِلْأَنَامِ وَمَطِيَّةً إلَى دَارِ السَّلَامِ) الذِّكْرُ هَهُنَا الشَّرَفُ قَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أَيْ شَرَفُكُمْ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] قِيلَ ذِي الشَّرَفِ وَالْأَنَامُ الْخَلْقُ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَالْمَطِيَّةُ الْمَرْكَبُ وَالْمِطَاءُ الظَّهْرُ، وَهَذَا الْكَلَامُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْمَطِيَّةَ وَسِيلَةٌ إلَى الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصِدِ فَكَذَلِكَ الدِّينُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ دَارُ السَّلَامِ وَسُمِّيَتْ الْجَنَّةُ دَارَ السَّلَامِ لِسَلَامَةِ أَهْلِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ النِّعَمِ عَنْ الْآفَاتِ وَالْفِنَاءِ أَوْ لِكَثْرَةِ السَّلَامِ فِيهَا قَالَ تَعَالَى ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] وَالسَّلَامُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَأُضِيفَتْ الدَّارُ إلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهَا.
قَوْلُهُ (أَحْمَدُهُ عَلَى الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ) وَلَمَّا نَظَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي جَلَائِلِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَعَرَفَ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْبَشَرِيَّةَ لَا تَفِي بِالْقِيَامِ بِمُوَاجَبِ حَمْدِهِ كَمَا هُوَ يَسْتَحِقُّهُ، وَإِنَّ سُلُوكَ طَرِيقِ النَّجَاةِ لَا يَتَيَسَّرُ إلَّا بِإِعَانَتِهِ وَتَيْسِيرِهِ قَالَ أَحْمَدُهُ عَلَى الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى طَلَبِ الرِّضْوَانِ يَعْنِي أَحْمَدُهُ عَلَى حَسَبِ وُسْعِي وَطَاقَتِي وَبِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ مِنْ التَّحْمِيدِ لَا عَلَى حَسَبِ النِّعَمِ إذَا لَيْسَ ذَلِكَ وُسْعَ أَحَدٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] ثُمَّ الْإِمْكَانُ أَعَمُّ مِنْ الْوُسْعِ؛ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ قَدْ يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْبَشَرِ وَغَيْرَ مَقْدُورٍ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ نَسْفَ الْجِبَالِ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا لِلْبَشَرِ وَالْوُسْعُ رَاجِعٌ إلَى الْفَاعِلِ وَالْإِمْكَانُ إلَى الْمَحَلِّ وَخَصَّ طَلَبَ الرِّضْوَانِ أَيْ الرِّضَا بِالِاسْتِعَانَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ النِّعَمِ وَأَعْلَاهَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْخُطْبَةِ قَالَ ﵇ «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ»

1 / 6

وَأُصَلِّي عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَصْحَابِهِمْ أَجْمَعِينَ
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَزْدَوِيُّ ﵀: الْعِلْمُ نَوْعَانِ: عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَعِلْمُ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ وَالْأَصْلُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ هُوَ التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمُجَانَبَةُ الْهَوَى وَالْبِدْعَةِ وَلُزُومُ طَرِيقِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَضَى عَلَيْهِ الصَّالِحُونَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ سَلَفُنَا أَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا وَعَامَّةَ أَصْحَابِهِمْ ﵏ وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فِي ذَلِكَ كِتَابَ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَذَكَرَ فِيهِ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ
ــ
[كشف الأسرار]
قَوْلُهُ (وَأُصَلِّي عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ) أَيْ ذُرِّيَّتِهِ وَأَصْحَابِهِ أَيْ مُتَابِعِيهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الْآلِ الْأَتْقِيَاءُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا قَالَ ﵇ «آلِي كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ» وَتَخْصِيصُ الْأَصْحَابِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ لِزِيَادَةِ التَّعْظِيمِ وَتَقْدِيمِ الْآلِ وَالْأَصْحَابِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَامَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ لَا لِتَفْضِيلِهِمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ إذْ لَا فَضْلَ لِوَلِيٍّ عَلَى نَبِيٍّ قَطُّ.
[الْعِلْم نَوْعَانِ]
[النَّوْع الْأَوَّل عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ]
قَوْلُهُ (الْعِلْمُ نَوْعَانِ) اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْعِلْمِ فَقِيلَ لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ إذْ كُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ وُجُودَهُ ضَرُورَةً؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْعِلْمِ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالْعِلْمِ فَلَوْ عُلِمَ الْعِلْمُ بِغَيْرِهِ كَانَ دَوْرًا وَقِيلَ إنَّهُ صِفَةٌ تُوجِبُ فِي الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ وَقَوْلُهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ احْتِرَازٌ عَنْ الظَّنِّ وَنَحْوِهِ وَقِيلَ هُوَ صِفَةٌ يَنْتَفِي بِهَا عَنْ الْحَيِّ الْجَهْلُ وَالشَّكُّ وَالظَّنُّ وَالسَّهْوُ وَمُخْتَارُ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ ﵀ أَنَّهُ صِفَةٌ يَتَجَلَّى بِهَا الْمَذْكُورُ لِمَنْ قَامَتْ هِيَ بِهِ ثُمَّ أَنَّهُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ عِلْمَ النَّحْوِ وَالطِّبِّ وَالنُّجُومِ وَسَائِرِ عُلُومِ الْفَلْسَفَةِ كَمَا يَتَنَاوَلُ عِلْمَ التَّوْحِيدِ وَالشَّرَائِعِ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَقْسِيمُهُ بِالنَّوْعَيْنِ وَاكْتِفَاؤُهُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ تَقْسِيمُ الْحَيَوَانِ بِأَنَّهُ نَوْعَانِ: إنْسَانٌ وَفَرَسٌ مُنْحَصِرًا عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِتَقْيِيدٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ الْعِلْمُ الْمُنْجِي أَوْ الْعِلْمُ الَّذِي اُبْتُلِينَا بِهِ نَوْعَانِ، وَكَانَ الشَّيْخ ﵀ أَخْرَجَ بِقَوْلِهِ الْعِلْمُ نَوْعَانِ غَيْرَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عَنْ كَوْنِهِ عِلْمًا لِعَدَمِ ظُهُورِ فَائِدَتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَانْحِصَارِ الْفَائِدَةِ فِيهَا عَلَى النَّوْعَيْنِ فَكَانَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ قَوْلِك الْعَالِمُ فِي الْبَلَدِ زَيْدٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِيهِ؛ لِأَنَّك لَا تَعُدُّهُمْ عُلَمَاءَ فِي مُقَابَلَتِهِ عِلْمُ التَّوْحِيدِ هُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ وَعِلْمُ الصِّفَاتِ هُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَاتٍ ثُبُوتِيَّةً قَائِمَةً بِذَاتِهِ قَدِيمَةً غَيْرَ مُحْدَثَةٍ مِثْلُ الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لَا كَمَا زَعَمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ نَفْيِ الصِّفَاتِ، وَلَا كَمَا زَعَمَتْ الْكَرَّامِيَّةُ مِنْ حُدُوثِ بَعْضِ الصِّفَاتِ وَعِلْمُ الشَّرَائِعِ هُوَ الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوعَاتِ مِنْ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ وَالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْجَوَازِ وَالْفَسَادِ وَالْأَحْكَامِ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الْمَشْرُوعَاتِ لَكِنَّهَا لِكَوْنِهَا مَقْصُودَةً أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ وَالْأَصْلُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْ بِمُحْكَمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
وَهَذَا فِي الْمُبَاحَثَةِ مَعَ النَّفْسِ أَوْ مَعَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِرِسَالَةِ النَّبِيِّ ﵇ وَبِحَقِّيَّةِ الْقُرْآنِ وَانْتَحَلُوا نِحْلَةَ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّهُمْ بِسَبَبِ أَهْوَائِهِمْ خَرَجُوا عَنْ حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ وَنَبَذُوا التَّوْحِيدَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَأَنْكَرُوا الصِّفَاتِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ زَاعِمِينَ أَنَّ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ هُوَ عَيْنُ الْحَقِّ وَمَحْضُ التَّوْحِيدِ، فَأَمَّا فِي الْمُبَاحَثَةِ مَعَ مَنْ أَنْكَرَ الرِّسَالَةَ وَالْقُرْآنَ مِثْلُ الْمَجُوسِ وَالثَّنَوِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ فَلَا يَنْفَعُ التَّمَسُّكُ فِيهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِإِنْكَارِ الْخَصْمِ حَقِيَتَهُمَا فَيُتَمَسَّكُ إذَنْ بِالْمَعْقُولِ الصِّرْفِ. وَمُجَانَبَةُ الْهَوَى وَالْبِدْعَةِ الْهَوَى مَيَلَانُ النَّفْسِ إلَى مَا تَسْتَلِذُّهُ مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةِ الشَّرْعِ وَالْبِدْعَةُ الْأَمْرُ الْمُحْدَثُ فِي الدِّينِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ يَعْنِي يَتَمَسَّكُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُجَانِبًا لِهَوَى نَفْسِهِ وَمُجَانِبًا لِمَا أَحْدَثَهُ غَيْرُهُ فِي الدِّينِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فَلَا يُحْمَلُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ وَلَا عَلَى مَا يُوَافِقُ مَا أَبْدَعَهُ غَيْرُهُ مِثْلُ مَا قَالَتْ الرَّافِضَةُ الْمُرَادُ مِنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْأَنْصَابِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَمِنْ الظُّلْمِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] أَبُو بَكْرٍ وَمِنْ قَوْلِهِ ﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا﴾ [الفرقان: ٢٨] عُمَرَ وَمِثْلُ

1 / 7

وَإِثْبَاتَ تَقْدِيرِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنْ اللَّهِ وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وَأَثْبَتَ الِاسْتِطَاعَةَ مَعَ الْفِعْلِ، وَإِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهَا كُلَّهَا وَرَدَّ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ وَصَنَّفَ كِتَابَ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ وَكِتَابَ الرِّسَالَةِ وَقَالَ فِيهِ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ
ــ
[كشف الأسرار]
مَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُمْ بِالتَّخْلِيدِ فِي النَّارِ لِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَمِثْلُ حَمْلِهِمْ الْمَشِيئَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٧] وَنَظَائِرُهُ عَلَى مَشِيئَةِ الْقَسْرِ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُمْ بِعَدَمِ دُخُولِ الشُّرُورِ وَالْقَبَائِحِ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ، وَلُزُومُ طَرِيقِ السُّنَّةِ أَيْ عَقِيدَةِ الرَّسُولِ وَالْجَمَاعَةِ أَيْ عَقِيدَةِ الصَّحَابَةِ، أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا أَيْ أُسْتَاذِيّنَا وَالسَّلَفُ جَمْعُ سَالِفٍ مِنْ سَلَفَ يَسْلُفُ سَلَفًا إذَا مَضَى وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِمْ أَيْ أَكْثَرُهُمْ.
وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ مَوْسُومًا بِالْبِدْعَةِ مِثْلُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ غَرَضَ الشَّيْخِ مِنْ تَقْرِيرِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ إبْطَالُ دَعْوَى مَنْ زَعَمَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ كَانَ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ اسْتِدْلَالًا بِمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَدَفْعُ طَعْنِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ الرَّأْيَ عَلَى السُّنَّةِ فَبَدَأَ أَوَّلًا بِإِبْطَالِ دَعْوَى الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ كِتَابَ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ سَمَّاهُ أَكْبَرَ؛ لِأَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ وَعَظَمَتَهُ بِحَسَبِ شَرَفِ الْمَعْلُومِ وَلَا مَعْلُومَ أَكْبَرُ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ أَكْبَرَ وَذَكَرَ فِيهِ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ فَقَالَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ صِفَةٌ وَلَا اسْمٌ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِعِلْمِهِ وَالْعِلْمُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَقَادِرًا بِقُدْرَتِهِ وَالْقُدْرَةُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَخَالِقًا بِتَخْلِيقِهِ وَالتَّخْلِيقُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَفَاعِلًا بِفِعْلِهِ وَفِعْلُهُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ فَالْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَفِعْلُهُ صِفَتُهُ فِي الْأَزَلِ وَالْمَفْعُولُ مَخْلُوقٌ وَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَصِفَاتُهُ أَزَلِيَّةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَلَا مُحْدَثَةٍ فَمَنْ قَالَ إنَّهَا مَخْلُوقَةٌ أَوْ مُحْدَثَةٌ أَوْ وَقَفَ فِيهَا أَوْ شَكَّ فِيهَا فَهُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِثْبَاتُ تَقْدِيرِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنْ اللَّهِ ﷿ أَيْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِيهِ أَيْضًا فَقَالَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ آمَنْت بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَشِيئَتِهِ أَيْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا فَقَالَ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ كَسْبُهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى خَالِقُهَا.
وَهِيَ كُلُّهَا بِمَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَائِهِ وَالْمَعَاصِي كُلُّهَا بِتَقْدِيرِهِ وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَأَمَّا مَسْأَلَتَا الِاسْتِطَاعَةِ وَالْأَصْلَحِ فَمَا وَجَدْتُهُمَا فِي النُّسَخِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدِي مِنْ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَيْضًا مَا يُوجِبُ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُمَا فِيهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْطِفْ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَإِثْبَاتُ الِاسْتِطَاعَةِ وَلَمْ يَقُلْ أَيْضًا وَأَثْبَتَ فِيهِ الِاسْتِطَاعَةَ وَرَدَّ فِيهِ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ بَلْ اسْتَأْنَفَ الْكَلَامَ وَقَالَ وَأَثْبَتَ الِاسْتِطَاعَةَ وَرَدَّ الْقَوْلَ بِالْأَصْلَحِ مُطْلَقًا فَلَعَلَّهُ أَثْبَتَهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَوْ فِي مَبَاحِثِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ فِيهِ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ) أَيْ قَالَ فِيهِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكُونُ لِلَّهِ عَدُوًّا، وَإِنْ رَكِبَ جَمِيعَ الذُّنُوبِ بَعْدَ أَنْ لَا يَدَعَ التَّوْحِيدَ؛ لِأَنَّهُ حِينَ يَرْتَكِبُ الْعَظِيمَ مِنْ الذَّنْبِ فَاَللَّهُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ، فَإِنَّهُ لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ وَبَيْنَ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَلْبِهِ لَكَانَ الِاحْتِرَاقُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ ذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا قَالَ الْمُتَعَلِّمُ ﵀ فَمَا قَوْلُك فِي أُنَاسِ رَوَوْا أَنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا زَنَى يُخْلَعُ عَنْهُ الْإِيمَانُ كَمَا يُخْلَعُ عَنْهُ الْقَمِيصُ ثُمَّ إذَا تَابَ أُعِيدَ إلَيْهِ إيمَانُهُ أَتُكَذِّبُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ أَوْ تُصَدِّقُهُمْ

1 / 8

وَيَتَرَحَّمُ لَهُ وَكَانَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ إمَامًا صَادِقًا وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ نَاظَرْت أَبَا حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَاتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُهُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَهُوَ كَافِرٌ وَصَحَّ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀
ــ
[كشف الأسرار]
فَإِنْ صَدَّقْت قَوْلَهُمْ فَقَدْ دَخَلْت فِي قَوْلِ الْخَوَارِجِ، وَإِنْ كَذَّبْت قَوْلَهُمْ قَالُوا أَنْتِ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ ﵇، فَإِنَّهُمْ رَوَوْا ذَلِكَ عَنْ رِجَالٍ شَتَّى حَتَّى انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ ﵇ قَالَ الْعَالِمُ ﵀ أُكَذِّبُ هَؤُلَاءِ وَلَا يَكُونُ تَكْذِيبِي لَهُمْ تَكْذِيبًا لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَكُونُ تَكْذِيبًا لِلرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ بِكُلِّ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ عَمَّ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْجَوْرِ وَلَمْ يُخَالِفْ الْقُرْآنَ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ تَصْدِيقًا بِالنَّبِيِّ وَبِالْقُرْآنِ وَتَنْزِيهًا لَهُ مِنْ الْخِلَافِ عَلَى الْقُرْآنِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] فَقَوْلُهُ مِنْكُمْ لَمْ يَعْنِ بِهِ الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى، وَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَذَكَرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ أَيْضًا وَلَا نُكَفِّرُ مُسْلِمًا بِذَنْبٍ مِنْ الذُّنُوبِ.
وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً إذَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا وَلَا نُزِيلُ عَنْهُ اسْمَ الْإِيمَانِ وَنُسَمِّيهِ مُؤْمِنًا حَقِيقَةً، وَيُتَرَحَّمُ لَهُ أَيْ يُدْعَى لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَيُقَالُ ﵀ «قَالَ ﵇ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَوْ كَانَ أَبُوك إسْلَامِيًّا لَتَرَحَّمْنَا عَلَيْهِ» أَيْ لَقُلْنَا لَهُ ﵀ وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا قَالَ الْمُتَعَلِّمُ أَخْبِرْنِي عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ أَهُوَ أَفْضَلُ أَمْ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِاللَّعْنَةِ قَالَ الْعَالِمُ ﵀ الذَّنْبُ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ غَيْرِ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ فَأَيُّ الذَّنْبَيْنِ رَكِبَ هَذَا الْعَبْدُ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ لَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَالدُّعَاءُ لِأَهْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِالْمَغْفِرَةِ أَفْضَلُ لِحُرْمَةِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ إذَا لَيْسَ شَيْءٌ يُطَاعُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِقْرَارِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَجَمِيعُ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَرَائِضِهِ فِي جَنْبِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَصْغَرُ مِنْ بَيْضَةٍ فِي جَنْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُنَّ فَكَمَا أَنَّ ذَنْبَ الْإِشْرَاكِ أَعْظَمُ كَذَلِكَ أَجْرُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَعْظَمُ، وَكَانَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ إمَامًا صَادِقًا أَيْ إمَامًا عَلَى التَّحْقِيقِ وَالشَّيْءُ إذَا بُولِغَ فِي وَصْفِهِ يُوصَفُ بِالصِّدْقِ يُقَالُ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَلِلْفَرَسِ الْجَوَادِ إنَّهُ لَذُو صِدْقٍ أَيْ صَادِقِ الْحَمْلَةِ وَصَادِقِ الْجَرْيِ كَأَنَّهُ ذُو صِدْقٍ فِيمَا يَعُدُّك مِنْ ذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]، وَفِي إضَافَتِهِ إلَى صِدْقٍ دَلَالَةٌ عَلَى زِيَادَةِ فَضْلٍ، وَإِنَّهُ مِنْ السَّوَابِقِ الْعَظِيمَةِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَبَحُّرِهِ فِيهِ مَا رَوَى يَحْيَى بْنُ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ كُنْت رَجُلًا أُعْطِيت جَدَلًا فِي الْكَلَامِ فَمَضَى دَهْرٌ فِيهِ أَتَرَدَّدُ وَبِهِ أُخَاصِمُ وَعَنْهُ أُنَاضِلُ.
وَكَانَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْخُصُومَاتِ بِالْبَصْرَةِ فَدَخَلْتهَا نَيِّفًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً أُقِيمُ سَنَةً وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَكُنْت قَدْ نَازَعْت طَبَقَاتِ الْخَوَارِجِ مِنْ الْإِبَاضِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَطَبَقَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ وَسَائِرِ طَبَقَاتِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَكُنْت بِحَمْدِ اللَّهِ أَغْلِبُهُمْ وَأَقْهَرُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي طَبَقَاتِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَحَدَّ جَدَلًا مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ مُمَوَّهٌ يَقْبَلُهُ الْقُلُوبُ وَكُنْت أُزِيلُ تَمْوِيهَهُمْ بِمَبْدَأِ الْكَلَامِ وَأَمَّا الرَّوَافِضُ وَأَهْلُ الْإِرْجَاءِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ الْحَقَّ فَكَانُوا بِالْكُوفَةِ أَكْثَرَ وَكُنْت قَهَرْتهمْ بِحَمْدِ اللَّهِ أَيْضًا وَكُنْت أَعُدُّ الْكَلَامَ أَفْضَلَ الْعُلُومِ وَأَرْفَعَهَا فَرَاجَعْت نَفْسِي بَعْدَمَا مَضَى لِي فِيهِ عُمْرٌ وَتَدَبَّرْت فَقُلْت إنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِّي اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ لَمْ يَكُنْ يَفُوتُهُمْ شَيْءٌ مِمَّا نُدْرِكُهُ نَحْنُ وَكَانُوا عَلَيْهِ أَقْدَرَ وَبِهِ أَعْرَفَ وَأَعْلَمَ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ ثُمَّ لَمْ يَتَهَايَئُوا فِيهِ مُتَنَازِعِينَ وَلَا مُجَادِلِينَ وَلَمْ يَخُوضُوا فِيهِ بَلْ أَمْسَكُوا عَنْ ذَلِكَ وَنُهُوا أَشَدَّ النَّهْيِ وَرَأَيْت خَوْضَهُمْ فِي الشَّرَائِعِ وَأَبْوَابِ الْفِقْهِ وَكَلَامَهُمْ فِيهِ، عَلَيْهِ تَجَالَسُوا وَإِلَيْهِ دَعَوْا وَكَانُوا يُطْلِقُونَ الْكَلَامَ وَالْمُنَازَعَةَ فِيهِ

1 / 9

وَدَلَّتْ الْمَسَائِلُ الْمُتَفَرِّقَةُ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِ الْمَبْسُوطِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ مَذَاهِبِ الِاعْتِزَالِ وَإِلَى سَائِرِ الْأَهْوَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَيَتَنَاظَرُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى ذَلِكَ مَضَى الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنْ السَّابِقِينَ وَتَبِعَهُمْ التَّابِعُونَ فَلَمَّا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أُمُورِهِمْ ذَلِكَ تَرَكْنَا الْمُنَازَعَةَ وَالْخَوْضَ فِي الْكَلَامِ وَرَجَعْنَا إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَشَرَعْنَا فِيمَا شَرَعُوا وَجَالَسْنَا أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ مَعَ أَنِّي رَأَيْت مَنْ يَنْتَحِلُ الْكَلَامَ وَيُجَادِلُ فِيهِ قَوْمًا لَيْسَ سِيمَاهُمْ سِيمَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَا مِنْهَاجُهُمْ مِنْهَاجَ الصَّالِحِينَ رَأَيْتهمْ قَاسِيَةً قُلُوبُهُمْ غَلِيظَةً أَفْئِدَتُهُمْ لَا يُبَالُونَ مُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ فَهَجَرْتهمْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
قَوْلَهُ (وَدَلَّتْ الْمَسَائِلُ الْمُتَفَرِّقَةُ إلَى آخِرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ تَفَرَّقُوا أَوَّلًا عَلَى سِتِّ فِرَقٍ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْخَارِجِيَّةِ وَالْمُشَبِّهَةِ وَالْمُرْجِئَةِ ثُمَّ تَفَرَّقَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً فَصَارَ الْكُلُّ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً عَلَى مَا عُرِفَ فَفِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ فَقَالُوا فِي قَوْمٍ صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ بِالتَّحَرِّي فَوَقَعَ تَحَرِّي كُلِّ أَحَدٍ إلَى جِهَةٍ إنَّ مَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ بِحَالِ إمَامِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ إمَامَهُ فِي زَعْمِهِ مُخْطِئٌ فَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا عِنْدَهُمْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ لَمَا صَحَّ الْقَوْلُ مِنْهُمْ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ صَلَّوْا كَذَلِكَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا حَكَمُوا بِفَسَادِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حَقِّيَّةَ كُلِّ جِهَةٍ مُخْتَصَّةٌ بِمُتَحَرِّيهَا إذْ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ حَقٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ دُونَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ، فَإِنَّ كُلَّ جِهَةٍ فِيهَا حَقٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ النَّاسِ قُلْنَا إذَا كَانَ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ حَقًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدَ الْغَيْرُ الْحَقِّيَّةَ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدَ غَيْرُ الْمُضْطَرِّ الْحِلَّ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُضْطَرِّ وَهَهُنَا اعْتَقَدَهُ مُخْطِئًا مُطْلَقًا فَأَوْجَبَ فَسَادَ الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا لَمَا أَوْجَبَ فَسَادَ الصَّلَاةِ كَالْمُتَوَضِّئِ إذَا اقْتَدَى بِالْمُتَيَمِّمِ صَحَّ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَإِنْ كَانَ جَوَازُ الْأَدَاءِ بِالتَّيَمُّمِ ثَابِتًا فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ إمَامَهُ عَلَى الْخَطَإِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي مِيرَاثٍ قُسِّمَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَوْ الْوَرَثَةِ لَا آخُذُ كَفِيلًا مِنْ الْغَرِيمِ وَلَا مِنْ الْوَارِثِ هُوَ شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ، وَهُوَ جَوْرٌ سَمَّى اجْتِهَادَ ذَلِكَ الْبَعْضِ جَوْرًا وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا عِنْدَهُ لَمَا صَحَّ وَصْفُهُ بِالْجَوْرِ وَقَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ إنْ لَمْ آتِك غَدًا إنْ اسْتَطَعْت فَكَذَا إنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ لِلْعُرْفِ فَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِهِ اسْتِطَاعَةَ الْقَضَاءِ صُدِّقَ دِيَانَةً حَتَّى لَا يَحْنَث وَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ فَدَلَّ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِالِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَقَالُوا بِجَوَازِ إمَامَةِ الْفَاسِقِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِكُفْرِ مَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً وَإِمَامَةُ الْكَافِرِ لَا تَجُوزُ وَلِمَذْهَبِ الرَّافِضَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ شَرَطُوا لِصِحَّةِ الْإِمَامَةِ الْإِمَامَ الْمَعْصُومَ وَقَالُوا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ وَالِاعْتِزَالِ وَقَالُوا بِفَرْضِيَّةِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الرَّوَافِضِ وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الدُّعَاءِ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك

1 / 10

وَأَنَّهُمْ قَالُوا بِحَقِّيَّةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِبْصَارِ فِي دَارِ الْآخِرَةِ وَحَقِّيَّةِ عَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ شَاءَ وَحَقِّيَّةِ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْيَوْمَ حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِجَهْمٍ اُخْرُجْ عَنِّي يَا كَافِرُ وَقَالُوا بِحَقِّيَّةِ سَائِرِ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهَذَا فَصْلٌ يَطُولُ تَعْدَادُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
بِمَقْعَدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك مِنْ الْقُعُودِ؛ لِأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى التَّمَكُّنِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ بِقَوْلِهِ بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ الْعَقْدِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ ﵏ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْعِزِّ بِالْعَرْشِ وَيُوهِمُ حُدُوثَ هَذِهِ الصِّفَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى بِجَمِيعِ أَوْصَافِهِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ وَالْحَدِيثُ شَاذٌّ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُشَبِّهَةِ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْحَلِفِ بِوَجْهِ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى الذَّاتِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَأَنَّهُ مِنْ إيمَانِ السَّفَلَةِ أَيْ الْجَهَلَةِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَهُ بِمَعْنَى الْعُضْوِ الْجَارِحَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُشَبِّهَةِ أَيْضًا.
وَقَالُوا إذَا ارْتَكَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا يُوجِبُ الْحَدَّ فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يَحْصُلُ لَهُ التَّطْهِيرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَنَدَمٍ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ إلَيْهِ أُشِيرُ فِي سَرِقَةِ الْمَبْسُوطِ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُرْجِئَةِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ لَا يَضُرُّ ذَنْبٌ مَعَ الْإِيمَانِ كَمَا لَا يَنْفَعُ طَاعَةٌ مَعَ الْكُفْرِ وَبَنَوْا مَسَائِلَ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى عَلَى اخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَفِيهَا رَدٌّ لِمَذْهَبِ الْمُجْبِرَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَخَصَّ نَفْيَ الِاعْتِزَالِ عَنْهُمْ بِالذِّكْرِ أَوَّلًا ثُمَّ عَمَّمَ نَفْيَ جَمِيعِ الْأَهْوَاءِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ هُمْ الْمُدَّعُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَذْهَبِهِمْ لَا غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّهُمْ قَالُوا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَا بِفَتْحِهَا عَطْفًا عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَمِيلُوا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمَسَائِلِ مَا يَدُلُّ عَلَى حَقِّيَّةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّيَّةِ مَا ذُكِرَ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يُرَى فِي الْآخِرَةِ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِأَعْيُنِ رُءُوسِهِمْ بِلَا شَبِيهٍ وَلَا كَيْفِيَّةٍ وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ، وَحَقِّيَّةُ عَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ شَاءَ ذَكَرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَإِعَادَةُ الرُّوحِ إلَى الْعَبْدِ فِي قَبْرِهِ حَقٌّ وَضَغْطَةُ الْقَبْرِ حَقٌّ كَائِنٌ وَعَذَابُهُ حَقٌّ كَائِنٌ لِلْكُفَّارِ كُلِّهِمْ أَجْمَعِينَ وَلِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت أَبِي عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَحَقُّ هُوَ فَقَالَ هُوَ حَقٌّ أَتَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَجَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، وَحَقِّيَّةُ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يَعْنِي أَقَرُّوا بِخَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَبِأَنَّهُمَا مَوْجُودَتَانِ الْيَوْمَ كَذَا ذُكِرَ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ أَيْضًا أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَمُوتُ الْحُورُ أَبَدًا وَلَا يَفْنَى عَذَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا ثَوَابُهُ سَرْمَدًا، حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِجَهْمٍ بَعْدَمَا طَالَ مُنَاظَرَتُهُمَا وَظَهَرَ مُكَابَرَتُهُ اُخْرُجْ عَنِّي يَا كَافِرُ، وَهُوَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ رَئِيسُ الْجَبْرِيَّةِ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِمَوْجُودَتَيْنِ الْيَوْمَ.
وَإِنَّمَا تُخْلَقَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ كَذَا سَمِعْت مِنْ بَعْضِ الثِّقَاتِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ سِيَاقُ كَلَامِ الشَّيْخِ مِنْ مَذْهَبِهِ أَيْضًا أَنَّهُمَا مَعَ أَهَالِيِهِمَا تَفْنَيَانِ، وَإِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ فَقَطْ دُونَ الْإِقْرَارِ وَأَنَّهُ لَا فِعْلَ لِأَحَدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ الْعِبَادَ فِيمَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِنْ الْأَفْعَالِ كَالشَّجَرَةِ تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ وَالْإِنْسَانُ مُجْبَرٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا قُدْرَةَ لَهُ وَلَا إرَادَةَ وَلَا اخْتِيَارَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَالْكِفَايَةِ وَتَسْمِيَتُهُ إيَّاهُ كَافِرًا إمَّا بِاعْتِبَارِ غُلُوِّهِ فِي هَوَاهُ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الشَّتْمِ، وَقَالُوا بِحَقِّيَّةِ سَائِرِ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِنْ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقِرَاءَةِ الْكُتُبِ وَوَزْنِ الْأَعْمَالِ وَالصِّرَاطِ وَالشَّفَاعَةِ كُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ، عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]

1 / 11

کشف الاسرار | اصول