کراهت و دوستی، ناز و نیاز، عشق و ازدواج
كراهية وصداقة وغزل وحب وزواج
ژانرها
كان المكان الذي أرادت بلوغه هو حقل الذرة. كانت عيدان الذرة أعلى من رأسها الآن، وربما أعلى من رأس نيل كذلك، وأرادت أن تأوي إلى ظلها. سلكت طريقها عبر الباحة وليس في ذهنها سوى هذه الفكرة وحدها. والحمد لله أنهم أخذوا الكلاب إلى الداخل.
لم يكن ثمة سياج. كان حقل الذرة ينتهي عند حدود الباحة. سارت وسطه مباشرة، على المسرب الضيق ما بين صفين. لطمت الأوراق وجهها برفق واحتكت بذراعيها فكانت كأنها رايات طويلة من قماش مشمع. اضطرت لأن تخلع قبعتها لكيلا توقعها الأوراق عن رأسها. كان لكل عود ذرة عرنوس وحيد، مثل رضيع في كفن. كان ثمة رائحة قوية، تكاد تثير الغثيان، رائحة نمو الخضار، رائحة النشا الأخضر والعصارة الحارة.
ما فكرت في فعله، ما إن صارت بالداخل هنا، هو أن ترقد. أن ترقد في ظل تلك الأوراق الكبيرة الخشنة وألا تخرج إلا حين تسمع صوت نيل يناديها. وربما لا تخرج حتى عندئذ. غير أن صفوف العيدان كانت شديدة القرب بعضها من بعض بحيث لا تتيح لها ذلك، ثم إنها كانت منشغلة بالتفكير في أمر آخر بما يمنعها من تحمل هذه المشقة. كانت غاضبة للغاية.
لم يكن غضبها يرجع إلى أي شيء مما حدث مؤخرا. كانت تستعيد كيف جلست مجموعة من الناس ذات مساء على أرضية غرفة معيشتها - أو غرفة الاجتماعات - يلعبون إحدى تلك الألعاب السيكولوجية الجادة. إحدى تلك الألعاب كانت تهدف إلى جعل الشخص أكثر صراحة ومرونة؛ كان على كل واحد منهم أن يقول أول ما يخطر على باله بمجرد النظر إلى كل شخص من الآخرين. قالت امرأة بيضاء الشعر، اسمها آدي نورتون، من أصدقاء نيل: «أكره أن أقول لك ذلك يا جيني، ولكن كلما نظرت إليك فإن كل ما يمكنني التفكير فيه هو «نيللي المحتشمة».»
لا تذكر أنها أبدت جوابا من أي نوع في حينها. ربما ليس من المفترض أن ترد. الجواب يتردد الآن في رأسها: «لماذا تقولين إنك تكرهين قول ذلك؟ ألم تلاحظي أن الناس كلما قالوا إنهم يكرهون قول شيء ما فإنهم في حقيقة الأمر يحبون ذلك؟ ألا تعتقدين أن علينا، وقد قررنا أن نكون في منتهى الصراحة، أن نبدأ بهذه الصراحة على الأقل؟»
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها بهذا الرد الذهني المتخيل. وفي ذهنها أيضا أوضحت لنيل كم كانت تلك اللعبة مجرد مسرحية هزلية! وحين أتى الدور على آدي تلك، هل جرؤ أحد منهم أن يقول لها أي شيء لا يسرها؟ آه، لا. كانوا يقولون: «حادة كالسيف»، أو «صريحة كأنك دش ماء بارد.» كانوا خائفين منها، هذا كل ما هنالك.
نطقت، عاليا الآن: «دش ماء بارد!» بصوت قارص.
آخرون قالوا لها أشياء أكثر طيبة: «هيبية حقيقية كطفلة الزهور»، أو «أميرة الينابيع الغزيرة»، وأحست أنه أيا كان من قال ذلك فلعله يقصد «الينابيع المريرة»، لكنها لم تقدم له أي تصحيح. كانت ساخطة لاضطرارها إلى أن تجلس هناك وتنصت إلى آراء الناس فيها. كانوا جميعا مخطئين. فلم تكن خجولة أو مذعنة أو طبيعية أو نقية كالينابيع.
وبعد أن يموت المرء، بالطبع، فإن كل ما يتبقى هو تلك الآراء الخاطئة.
وبينما يدور ذلك كله في عقلها فعلت أسهل ما يمكن فعله في حقل من حقول الذرة؛ ضلت الطريق. كانت قد خطت فوق صف من العيدان ثم آخر والمرجح أنها استدارت أيضا. حاولت أن ترجع من الطريق الذي أتت منه، لكن كان واضحا أنه ليس الطريق الصحيح. عادت السحب من جديد لتحجب الشمس وهكذا ما عاد بوسعها أن تعرف اتجاه الشرق. ولم تكن تدري أي الاتجاهات اتخذت حين دخلت الحقل، على أن هذا لن يكون عونا على أي حال. وقفت في موضعها ثابتة وهي لا تسمع شيئا سوى حفيف الذرة الهامس، وصوت سيارات تمر من بعيد.
صفحه نامشخص