جوهر انسانیت
جوهر الإنسانية: سعي لا ينتهي وحراك لا يتوقف
ژانرها
فهم يبحثون ببساطة عن طرق صادمة. وهذا ليس سعيا شاقا؛ فيمكنك تحقيقه ببساطة عن طريق خلع سروالك أو كشف صدرك على الملأ، أو عن طريق ملء كلامك بكلام بذيء. وهذا بالضبط ما أصبح الفن في العالم الغربي في خطر التحول إليه؛ في صورة حيوانات وأجنة محفوظة، وحصان ميت متدل من السقف، وكم هائل من روث الفيل، وسرير غير مرتب مليء بواقيات ذكرية مستعملة، وقصيدة عن الاستمناء، ومسرحية مخصصة للحديث عن التبادل الصريح للقاءات الجنسية عبر الإنترنت، وأخرى تدور بالكامل حول رجلين يلويان خصيتيهما بأشكال مختلفة (أؤكد لكم أني لا أختلق أيا من هذا ). هذا لا بأس به في المحاكاة الساخرة، لكن هل يصح في الفن؟ ينخدع النقاد، الذين يكونون هم أنفسهم عادة فنانين فاشلين، بهذا كله. ولن يندهش أي شخص عندما يعلم أن الصور التي تصنع بالكمبيوتر أصبحت الآن تباع على أنها فن. هل يدل هذا على تدهور الفضول الفكري للإنسان؟ سنعود للحديث في هذا الموضوع في الفصل الرابع عشر.
يترك الفن الجيد، المشتمل على الجمال والمهارة، بالإضافة إلى الأصالة، إرثا للجيل القادم. قال تولستوي في إحدى المرات لجدي:
43 «تذكر أن كل شيء سيزول، كل شيء. فستزول الممالك والعروش، والثروة والملايين، فسيتغير كل شيء. لن نبقى نحن ولا أحفادنا، ولن يبقى شيء من عظامنا، لكن إذا احتوت أعمالنا على مجرد ذرة من الفن الحقيقي، فإننا سنعيش إلى الأبد.»
44
وقال ليوناردو دافينشي في هذا ببلاغة أكثر: «الجمال يفنى في الحياة، ولكن ليس في الفن.» وهذا صحيح؛ فنحن نزور المتاحف وصالات العرض من أجل الإعجاب بفن عباقرة ماتوا منذ وقت طويل، ونستمع إلى موسيقى من عصور سابقة، ونقرأ أعمالا أدبية من قرون ماضية. تشبه المتعة التي يستمدها شخص ما من الفن العزاء الذي يجده آخر في الدين، أو الاستمتاع بالطبيعة. إنه شعور لحظي، لا يتراكم كما تتراكم المعرفة المستمدة من الدراسة أو التكنولوجيا أو العلم. إذن ما الإسهام الذي كان للفن في الحضارة والثقافة؟ يتمثل أحد إسهاماته في تحسين جودة الحياة، على الأقل للمتلقين له، فحتى النظام السوفييتي شجع مزاولة الفن، شريطة أن يكون وفقا لميوله؛ وبالطبع أدى قمعه للأشكال الأخرى إلى قتله فعليا للإبداع الفني. وماذا أيضا؟ أجد نفسي متلعثما.
45
رأى المؤرخ الفني الإنجليزي كينيث كلارك، منذ نصف قرن في كتابه (وسلسلته التليفزيونية) «الحضارة» أن الفن ركن أساسي - في الواقع الركن الأساسي - للحضارة. إلا أن فكرته عن الحضارة كانت ضيقة إلى حد ما؛ فكانت بالنسبة له الثقافة الأوروبية التي نشأت من المسيحية. لقد تحدثت عن الحضارة بمعناها الحرفي أكثر، المعنى الذي عرضه جاكوب برونوفسكي في كتابه وسلسلته التليفزيونية عن «ارتقاء الإنسان»، وتحدثت عن الفن لمجرد أنه عنصر للمجتمع المتحضر. صحيح أن الرجال العباقرة يسعون للتعبير عن موهبتهم الإبداعية، وصحيح أن الرغبة في الجمال رغبة قوية نتشارك فيها مع باقي الكائنات، وصحيح أن هذه العوامل هي أساس لإنجازات الإنسان الفنية. أعتقد أنها تحدث بفعل الجينات التي نتشارك فيها مع الرئيسيات والحيوانات الأخرى، وعبر تغير طفيف في جينات أخرى نتج عنه مهارة الإنسان اليدوية، وقدرته على الكلام ونسبة ذكائه الأكثر ارتفاعا. لا تتعدى مزاولة الفن كونها نتيجة للتكوين الجيني للإنسان؛ فتسمح للبعض لتحقيق نزعتهم الابتكارية، بينما تعطي المتعة ببساطة لآخرين. (3) جودة الحياة
إذا كان الإنسان العاقل ظل يبحث دوما عن جودة أفضل للحياة، ماذا حقق إذن؟ وما المعايير التي تميز جودة الحياة في العالم المتقدم عنها في باقي أنحاء العالم؟ لن يحدث اختلاف كبير بين الناس إذا طلب منهم ذكر قائمة بضروريات الحياة - الصفات التي لا يمكن للمرء الحياة دونها - ويعتبر الطعام والماء والمأوى والتحرر من الاضطهاد أكثر الصفات الأساسية، وعار على نوعنا أن ثمة أجزاء في العالم يحرم فيها عامة الشعب من هذه الصفات الأربع جميعها دون ضرورة. وبعد التفكير للحظة، يمكن للمرء على الأرجح إضافة التعليم، أو محو الأمية على الأقل،
46
والصحة إلى هذه القائمة. وفي حين تعمل حكومات قليلة على إصابة شعبها بالمرض (رغم أن صدام حسين حاول فعل هذا عن طريق تسميم أكراد العراق)، يكون الحرمان من التعليم أكثر شيوعا؛ فأكثر من 15٪ من الناس في جميع أنحاء العالم غير متعلمين، إلا أن هذه النسبة تكون أكبر من ذلك بكثير في مناطق معينة. فعلى سبيل المثال، في الريف الباكستاني 90٪ من السكان غير متعلم، وتوجد قرى لا تبعد 100 ميل عن مدينة كراتشي الصاخبة وصلت فيها نسبة الأمية بين الفتيات في الخامسة عشرة من عمرهن إلى 99,7٪. يرجع السبب في ذلك إلى حد كبير إلى عناد ملاك الأراضي والوجهاء المحليين الذين يرفضون التخلي عن سيطرتهم على حياة سكان القرى، والسماح للمعلمين التابعين للدولة بأن يكون لهم رأي في الأمر. وفي أفغانستان كانت السياسة المعلن عنها لطالبان حرمان كل الفتيات من التعليم المدرسي المناسب. علينا الحذر من الرضا بالوضع القائم؛ فأكثر من 20٪ من البالغين في المملكة المتحدة يعرفون بأنهم أميون عمليا؛ مما يجعل المملكة المتحدة، مع أيرلندا، في أسفل قائمة رابطة محو الأمية في الدول المتقدمة. ومنذ بضع سنوات عندما طلب من المدير العام لليونسكو تعريف دورها في أمريكا اللاتينية، لم يتردد بأن يقول إن التعليم يمثل دورها الأهم، ووضع فيديريكو مايور العلم والثقافة والأدوار الأخرى لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في المرتبة الثانية. لقد أغفل الصحة، لا لأن الأمم المتحدة أوكلت هذا الدور لمنظمة الصحة العالمية، ولكن لأنه لم يكن بحاجة إلى الإشارة إليها؛ فالصحة نتاج للتعليم.
صفحه نامشخص