195

أما الزيادة على ذلك فقد تفضي إلى تلاشي المقاصد الأساسية التي يجب أن ينحوها المفسر. فالقرآن أنزل لوصل النفوس ببارئها وصقل العقول من أصداء الشك حتى يتجلى لها العلم اليقين وتتخلص من وساوس الشيطان، وتتطهر من أرجاس الطبع وتستقيم على صراط الله العزيز الحميد.

وأكثر التفاسير - مع الأسف - بعيدة عن رعاية هذه الأهداف، بل ربما ظن قارئها أنه يتلو كتابا في الاعراب أو في اللغة واشتقاقاتها أو في البلاغة وأساليبها، وهكذا.

وفي وسط هذه التيارات تتلاشى مقاصد التفسير الأساسية، وهي إيضاح ما انبهم من هداية القرآن، وبيان موضع العبرة من قصصه وأمثاله، ومحط الحكمة من تشريعاته وأحكامه. وأدهى من ذلك حشو مؤلفات التفسير بمخلفات اليونان وغيرهم، من الفلسفات العقيمة والأساطير القديمة. ولعمري إن ذلك ليس من تفسير القرآن في شيء، بل هو أحرى أن يكون تعتيما على هداه، وحجبا لحقائقه، نسأل الله العافية.

هذا، وقد علمت مما سبق اتحاد مرجع الاشارتين في الآية، ووجه تكرار اسم الاشارة التنبيه على أن اختصاصهم بالهداية، واختصاصهم بالفلاح، كل منهما جدير بالعناية، وحقيق بأن يستقل في التنويه به فلا يكون أحد الأمرين تابعا للآخر، ولذلك خص كل واحد منهما بجملة وإشارة.

وفي ذلك أيضا تنويه بالموصوفين أنهم جمعوا بين المنقبتين، واختصوا بكلتا المأثرتين، وعطفت الجملة اللاحقة على السابقة لأجل توسطهما بين كمال الاتصال، وكمال الانقطاع، فإن كلا من الهدى والفلاح له مفهومه الخاص، وزمانه الخاص، إذ الهدى يتلبس به في الحياة الدنيا، والفلاح يتوصل إليه في الدار الآخرة.

غير أن كون الهدى سبب الوصول إلى الفلاح يعد رباطا بين الجملتين وتوسط الجملتين بين كمالي الاتصال والانقطاع من دواعي العطف كما قرره علماء المعاني.

الاسلام هو طريق الفلاح:

وتوسط ضمير الفصل بين المسند والمسند إليه المعرفين دال على تأكيد الحصر المستفاد من تعريفهما، وهو هنا قاض بانحصار الفلاح في الطائفة التي جمعت بين خصائص الايمان المذكورة في هذه الآيات، وذلك يعني وحدة طريق الفلاح، وهو طريق الحق والرشد الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم، كما بعث به النبيين من قبل، وهو يتمثل في هدى القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن حاد عنهما فقد حاد عن طريق الفلاح، وانتهى به السير إلى مهاوي الخسران والعياذ بالله.

والفلاح هو النجاة، ولذلك فسر المفلحون هنا بالمنجحين كما في تفسير ابن جرير. ويعني ذلك أنهم بلغوا الهدف المقصود، وأدركوا الضالة المنشودة وهي الفوز برضوان الله الذي تترتب عليه النجاة من أليم عقابه، والخلد في بحبوحة ثوابه، وذلك معنى ما رواه ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: في تفسير المفلحين الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا، ومن شواهد مجيء الفلاح بهذا المعنى قول لبيد بن ربيعه:

اعقلي إن كنت لما تعقلي

صفحه نامشخص