194

وأما عدم اقتران الاشارة الأولى بضمير الفصل واقتران الثانية به، فلأجل الترقي في العبارة، ونحوه ما في سورة لقمان مع اتحاد المشار إليه، كما تقدم بيانه. وكذلك في هذه السورة في قوله تعالى بعد وصف الصابرين: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون }. وقد بين الله سبحانه اختصاص هؤلاء المتقين بالهدى، بيانا يصور لك هذه الحقيقة المعنوية، ويجليها في صورة المحسوس، حيث قال: { على هدى } دون أولئك أصحاب هدى مثلا، لأن " على " دالة على الاستعلاء، وهو يقضي بتمكن المستعلي من المستعلى عليه، وقدرته على تصريفه وترويضه، فهؤلاء المتقون متمكنون من الهدى تمكن الراكب من مركوبه، وفي الاستعارة التي ينطوي عليها هذا التعبير وجوه:

أولها: أنها تبعية، نظرا إلى أن المستعار الأصلي هو الاستعلاء، ثم سرت إلى الحرف الدال عليه وهو (على) وقد جنح إلى هذا الوجه السيد الجرجاني وحمل عليه كلام صاحب الكشاف.

ثانيها: أنها تمثيلية، لأن المشبه هيئة منتزعة من عدة أشياء وهي المتقون والهدى، وتمكنهم منه، والمشبه به صورة منتزعة من أشياء متعددة كذلك وهي الراكب والمركوب والاستعلاء، ثم طويت المشبهات لحلول المشبه بها محلها على طريق الاستعارة، وأظهرت (على) من بين الصورة المستعارة لأنها العمدة في هذا التشبيه من بين سائر أركانه، وتدخل بقية الأركان ضمن ألفاظ منوية وإن لم يقتضها سياق الكلام، ولم يبعد الجرجاني هذا الوجه.

ثالثها: أن تكون مكنية مرموزا إلى جملتها بعلى الدالة على الاستعلاء الذي هو لازم التشبيه المقصود، وكثير من الناس يسمونها تخييلية.

وجمع أنواع الاستعارات الثلاث يحتملها هذا المقام، غير أن معركة جدلية حادة نشأت بين علمي البلاغة البارزين؛ السيد الجرجاني، والسعد التفتازاني، مثارها: جواز مجامعة التمثيلية للتبعية أو عدمه، فالتفتازاني مع اختياره للتمثيلية يرى أن مجيء كلمة (على) في التركيب يقتضي أن يكون معناها - وهو الاستعلاء - مستعارا على حدة لما يماثله في جانب المستعار له، وهو التمكن، وأنكر الجرجاني ذلك بشدة لأنه رأى فيه جمعا بين متنافيين، إذ الاستعارة التمثيلية إنما ينظر فيها إلى الصورة المنتزعة من متعدد من غير التفات إلى أفرادها، والاستعلاء المستفاد من حرف الجر هنا إنما هو فرد من هذه الأفراد، وأطال في حاشيتيه على الكشاف وعلى المطول في شرح حججه. كما أطال السعد في الانتصار لمذهبه في المطول وحاشية الكشاف.

وشغلت هذه المسألة أذهان الناس واستهلكت جانبا مهما من فراغهم في عصرهما وبعده، وعقدت فيها مجالس للحوار، أولها كان بمحضر تيمور لنك، وكان الحكم فيه نعمان الخوارزمي، فحكم للجرجاني على خصمه غير أن آراء الذين جاءوا من بعدهم أثقلت كفة السعد التفتازاني، وقد أفردت هذه المسألة بمؤلفات خاصة.

وممن عني بها الشوكاني، فقد خصصها برسالة سماها (الطود المنيف في الانتصار لما قاله السعد على ما قاله الشريف).

وذكر الألوسي في تفسيره أنه أطال بحثها في كتابه (الأجوبة العراقية على الأسئلة الايرانية) وقد امتدت أذيال العناية بهذا البحث إلى عصرنا. وممن عني به من المفسرين المعاصرين الامام ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير)، فقد حاول فيه التوسط بالحكومة العادلة بين هذين القطبين، لكنه لم يلبث أن وقف في صف التفتازاني.

تنزيه القرآن الكريم عن المجادلات اللغوية والبلاغية:

وإني أرى جعل التفسير معرضا للمجادلات اللغوية وميدانا للمباريات البيانية، خروجا بهذا العلم الجليل عن حدوده المرسومة، واشتغالا بما لا داعي إليه فيه. وإنما ينبغي الاقتصار من ذلك على ما يجلي من الآية جوهر معناها، ويزيح الستار عن إعجاز مبناها.

صفحه نامشخص