فقلنا في نفس واحد: آمين.
فعاد يقول: لنكن مثالا طيبا للآخرين.
فكررنا في صوت واحد: آمين. - ولنستفد من كل خطوة وكل تجربة. - آمين. - سيروا على بركة الله. - آمين.
ونفخ في الصفارة والديكة تصيح فتكونا في أربعات، واتخذنا خطوات «محلك سر» حتى احتل مكانه على رأس الطابور، ثم بدأ السير فسرنا وراءه على دقات الطبول، وتبعتنا على الأثر عربة يجرها جواد تحمل المطبخ والمستشفى، سلمنا الفناء إلى ممر طويل ضيق محصور بين جدارين مرتفعين تفوح منه رائحة الكلس، وعطن البول، وتظلل نهايته سعف نخلات مغروسة في الجانبين. شاب مشيتنا الرياضية حذر شديد لما توقعناه من وجود روث دواب أو قاذورات آدمية؛ إذ إنه رغم الحيطة والتفتيش يتسلل إلى الممر في هدأة الليل أناس لممارسة حرياتهم بلا حياء. سرنا في حذر حتى خرجنا إلى الخلاء فلفحتنا نسمات نقية مطلولة، ولم نكد نقطع خطوات حتى ترامى إلينا صوت السواق، وهو يحث الجواد على السير، ويفرقع بسوطه في الهواء، وتنبه قائدنا إلى ذلك فصاح بصوته الدسم: قف.
فضربنا الأرض متوقفين فقال بنبرة آمرة: 1 و2 يذهبان للاستطلاع وتقديم ما يلزم.
انفصل الزميلان من الطابور، فرجعا إلى موقف العربة. أدركنا من حوارهما أن حجرا اعترض العجلة اليمنى، وأنهما يتعاونان على زحزحته. وتساءل قائدنا محنقا: متى يبلغ معسكرنا كماله المنشود؟!
وعاد الزميلان إلى الطابور فنفخ القائد في صفارته، واستأنف الطابور سيره، سرنا أشباحا ذائبة في ظلام، وفي السماء نجم واحد، وكنا نحب ظلمة الفجر؛ لأنها سريعة الزوال، ولأننا نطمئن إلى الاختفاء في غلالتها، فنخرق تقاليد الطابور الصارمة بالمداعبات والملاعبات الخفية، سعداء بشقاوتنا وعبثنا كاتمين ضحكاتنا فترتعش فوق الشفاه بلا صوت. في ظلمة الفجر يتلقى سيئ الحظ ضربة عصا في ساقه، أو قرصة في ذراعه، أو نواة نبقة في قفاه، ولما كان الفاعل مجهولا؛ فإنه ينتقم من أي كان، وبأي وسيلة تتفق له، لم تكن تلك الشقاوة مريحة، ولكنها كانت متعة محبوبة، ولا تتم الرحلة إلا بها؛ ولذلك كنا حريصين على احترام سريتها لنضمن استمرارها. ونهنأ - رغم انزعاجنا - بها. فالجدية المثالية الواجبة شعار نردده ونلتزم به، ولكن يبدو أن لا مفر من التمرد عليه بين الحين والحين، وما يدري تكوين من تكوينات الطابور الرباعية إلا ورشاش سائل يبلله في مواضع متفرقة من أجسام أصحابه. وتبين لهم من رائحته أنه بول! كاد النظام يختل، وضاعت الضحكات المكتومة في هدير غاضب لم يتوقعه أحد، تجاوزت الدعابة حدود الاحتمال وانفجر صوت خشن بلا مبالاة: عليكم اللعنة.
فصاح القائد غاضبا: قف.
توقفنا عن السير، انقلبت الدعابة علينا هذه المرة، وأنذرت بالنكد، وتساءل القائد: من الوقح؟!
فصاح الآخر متحديا: كلب بال علينا.
صفحه نامشخص