جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
[4.122]
يعني جل ثناؤه بقوله: { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات }: والذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا له بالواحدانية ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالنبوة وعملوا الصالحات، يقول: وأدوا فرائض الله التي فرضها عليهم. { سندخلهم جنت تجرى من تحتها الأنهر } يقوله: سوف ندخلهم يوم القيامة إذا صاروا إلى الله جزاء بما عملوا في الدنيا من الصالحات جنات: يعني بساتين تجري من تحتها الأنهار. { خلدين فيها أبدا } يقول: باقين في هذه الجنات التي وصفها أبدا دائما. وقوله { وعد الله حقا } يعني: عدة من الله لهم ذلك في الدنيا حقا، يعني يقينا صادقا، لا كعدة الشيطان الكاذبة التي هي غرور من وعدها من أوليائه، ولكن عدة ممن لا يكذب ولا يكون منه الكذب ولا يخلف وعده. وإنما وصف جل ثناؤه وعده بالصدق والحق في هذه لما سبق من خبره جل ثناؤه، عن قول الشيطان الذي قصه في قوله، وقال:
لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعم
[النساء: 118-119] ثم قال جل ثناؤه:
يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطن إلا غرورا
[النساء: 120] ولكن الله يعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنه سيدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، وعدا منه حقا، لا كوعد الشيطان الذي وصف صفته. فوصف جل ثناؤه الوعدين والواعدين وأخبر بحكم أهل كل وعد منهما تنبيها منه جل ثناؤه خلقه على ما فيه مصلحتهم وخلاصهم من الهلكة والعطب، لينزجروا عن معصيته ويعملوا بطاعته، فيفوزوا بما أعد لهم في جنانه من ثوابه. ثم قال لهم جل ثناؤه: { ومن أصدق من الله قيلا } يقول: ومن أصدق أيها الناس من الله قيلا: أي لا أحد أصدق منه قيلا، فكيف تتركون العمل بما وعدكم على العمل به ربكم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، وتكفرون به، وتخالفون أمره، وأنتم تعلمون أن لا أحد أصدق منه قيلا، وتعملون بما يأمركم به الشيطان، رجاء لإدراك ما يعدكم من عداته الكاذبة وأمانيه الباطلة، وقد علمتم أن عداته غرور لا صحة لها ولا حقيقة، وتتخذونه وليا من دون الله وتتركون أن تطيعوا الله فيما يأمركم به وينهاكم عنه، فتكونوا له أولياء؟ ومعنى القيل والقول: واحد.
[4.123]
اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: { ليس بأمنيكم ولا أمانى أهل الكتب } فقال بعضهم: عني بقوله { ليس بأمنيكم } أهل الإسلام. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: تفاخر النصارى وأهل الإسلام، فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم قال: فأنزل الله: { ليس بأمنيكم ولا أمانى أهل الكتب }. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: لما نزلت: { ليس بأمنيكم ولا أمانى أهل الكتب } قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية:
ومن يعمل من الصلحت من ذكر أو أنثى وهو مؤمن
[النساء: 124]. حدثني أبو السائب وابن وكيع، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق في قوله: { ليس بأمنيكم ولا أمانى أهل الكتب } قال: احتج المسلمون وأهل الكتاب، فقال المسلمون: نحن أهدى منكم، وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم، فأنزل الله: { ليس بأمنيكم ولا أمانى أهل الكتب } قال: ففلج عليهم المسلمون بهذه الآية:
صفحه نامشخص