965

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

[النساء: 105] معاونة من ظلموه دون من خاصمهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب حقه منهم، فكان سعيهم في معونتهم دون معونة من ظلموه، أخذا منهم في غير سبيل الله، وذلك هو إضلالهم أنفسهم، الذي وصفه الله فقال: { وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء } وما يضرك هؤلاء الذين هموا لك أن يزلوك عن الحق في أمر هذا الخائن من قومه وعشيرته من شيء، لأن الله مثبتك ومسددك في أمورك ومبين لك أمر من سعوا في ضلالك عن الحق في أمره وأمرهم، ففاضحه وإياهم. وقوله: { وأنزل الله عليك الكتب والحكمة } يقول: ومن فضل الله عليك يا محمد مع سائر ما تفضل به عليك من نعمه، أنه أنزل عليك الكتاب، وهو القرآن الذي فيه بيان كل شيء، وهدى وموعظة، { والحكمة }: يعني وأنزل عليك مع الكتاب الحكمة، وهي ما كان في الكتاب مجملا ذكره، من حلاله وحرامه، وأمره ونهيه وأحكامه، ووعده ووعيده. { وعلمك ما لم تكن تعلم } من خبر الأولين والآخرين، وما كان، وما هو كائن قبل، ذلك من فضل الله عليك يا محمد مذ خلقك، فاشكره على ما أولاك من إحسانه إليك بالتمسك بطاعته، والمسارعة إلى رضاه ومحبته، ولزوم العمل بما أنزل إليك في كتابه وحكمته، ومخالفة من حاول إضلالك عن طريقه ومنهاج دينه، فإن الله هو الذي يتولاك بفضله، ويكفيك غائلة من أرادك بسوء وحاول صدك عن سبيله، كما كفاك أمر الطائفة التي همت أن تضلك عن سبيله في أمر هذا الخائن، ولا أحد من دونه ينقذك من سوء إن أراد بك إن أنت خالفته في شيء من أمره ونهيه واتبعت هوى من حاول صدك عن سبيله. وهذه الآية تنبيه من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على موضع حظه، وتذكير منه له الواجب عليه من حقه.]

[4.114]

يعني جل ثناؤه بقوله: { لا خير فى كثير من نجواهم }: لا خير في كثير من نجوى الناس جميعا. { إلا من أمر بصدقة أو معروف } والمعروف: هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير. { أو إصلح بين الناس } وهو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين بما أباح الله الإصلاح بينهما ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة على ما أذن الله وأمر به. ثم أخبر جل ثناؤه بما وعد من فعل ذلك، فقال: { ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضت الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } يقول: ومن يأمر بصدقة أو معروف من الأمر، أو يصلح بين الناس ابتغاء مرضاة الله، يعني طلب رضا الله بفعله ذلك { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } يقول: فسوف نعطيه جزاء لما فعل من ذلك عظيما، ولا حد لمبلغ ما سمى الله عظيما يعلمه سواه. واختلف أهل العربية في معنى قوله: { لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة } فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: لا خير في كثير من نجواهم إلا في نجوى من أمر بصدقة. كأنه عطف «من» على الهاء والميم التي في «نجواهم». وذلك خطأ عند أهل العربية لأن إلا لا تعطف على الهاء والميم في مثل هذا الموضع من أجل أنه لم ينله الجحد. وقال بعض نحويي الكوفة: قد تكون «من» في موضع خفض ونصب وأما الخفض فعل قولك: { لا خير فى كثير من نجواهم } إلا فيمن أمر بصدقة، فتكون النجوى على هذا التأويل هم الرجال المناجون، كما قال جل ثناؤه:

ما يكون من نجوى ثلثة إلا هو رابعهم

[المجادلة: 7] وكما قال:

وإذ هم نجوى

[الإسراء: 47]. وأما النصب، فعلى أن تجعل النجوى فعلا فيكون نصبا، لأنه حينئذ يكون استثناء منقطعا، لأنه من خلاف النجوى، فيكون ذلك نظير قول الشاعر:

...............وما بالربع من أحد

إلا أواري لاءيا ما أبينها

وقد يحتمل «من» على هذا التأويل أن يكون رفعا، كما قال الشاعر:

صفحه نامشخص