933

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

ثم مات قاتل الرجل فقبر، فلفظته الأرض، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يقبروه، ثم لفظته الأرض، حتى فعل به ذلك ثلاث مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

" إن الأرض أبت أن تقبله فألقوه في غار من الغيران "

قال معمر: وقال بعضهم: إن الأرض تقبل من هو شر منه، ولكن الله جعله لكم عبرة. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق: أن قوما من المسلمين لقوا رجلا من المشركين في غنيمة له، فقال: السلام عليكم إني مؤمن! فظنوا أنه يتعوذ بذلك، فقتلوه، وأخذوا غنيمته.

قال: فأنزل الله جل وعز: { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا } تلك الغنيمة { كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا }. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، قوله: { يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا } قال: خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فمروا برجل في غنيمة له، فقال: أني مسلم! فقتله المقداد. فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا } قال: الغنيمة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء فذكر من قصة أبي الدرداء نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، وقد ذكرت في تأويل قوله:

وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا

[النساء: 92]، ثم قال في الخبر : ونزل الفرقان:

وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا

[النساء: 92] فقرأ حتى بلغ: { لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا } غنمه التي كانت عرض الحياة الدنيا، { فعند الله مغانم كثيرة } خير من تلك الغنم، إلى قوله: { إن الله كان بما تعملون خبيرا }. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا } قال: راعي غنم، لقيه نفر من المؤمنين، فقتلوه وأخذوا ما معه، ولم يقبلوا منه: «السلام عليكم، فإني مؤمن». حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا } قال: حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا الله لست مؤمنا، كما حرم عليهم الميتة، فهو آمن على ماله ودمه، ولا تردوا عليه قوله. واختلفت القراء في قراءة قوله: { فتبينوا } فقرأ ذلك عامة قراء المكيين والمدنيين وبعض الكوفيين والبصريين: { فتبينوا } بالباء والنون من التبين، بمعنى: التأني والنظر والكشف عنه حتى يتضح. وقرأ ذلك عظم قراء الكوفيين: «فتثبتوا» بمعنى التثبت الذي هو خلاف العجلة. والقول عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة المسلمين بمعنى واحد وإن اختلفت بهما الألفاظ، لأن المتثبت متبين، والمتبين متثبت، فبأي القراءتين قرأ القارىء فمصيب صواب القراءة في ذلك.

واختلفت القراء في قراءة قوله: { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم } فقرأ ذلك عامة قراء المكيين والمدنيين والكوفيين «السلم» بغير ألف، بمعنى الاستسلام، وقرأه بعض الكوفيين والبصريين: { السلم } بألف، بمعنى التحية. والصواب من القراءة في ذلك عندنا: «لمن ألقى إليكم السلم» بمعنى: من استسلم لكم مذعنا لله بالتوحيد مقرا لكم بملتكم. وإنما اخترنا ذلك لاختلاف الرواية في ذلك، فمن راو روى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحق وقال: إني مسلم ومن راو روى أنه قال: السلام عليكم، فحياهم تحية الإسلام، ومن راو روى أنه كان مسلما بإسلام قد تقدم منه قبل قتلهم إياه. وكل هذه المعاني يجمعها السلم، لأن المسلم مستسلم، والمحيي بتحية الإسلام مستسلم، والمتشهد شهادة الحق مستسلم لأهل الإسلام، فمعنى السلم جامع جميع المعاني التي رويت في أمر المقتول الذي نزلت في شأنه هذه الآية، وليس كذلك في السلام، لأن السلام لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية، فلذلك وصفنا السلم بالصواب. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { كذلك كنتم من قبل } فقال بعضهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السلام مستخفيا في قومه بدينه خوفا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم منهم، فمن الله عليكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: { كذلك كنتم من قبل } تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه . حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: { كذلك كنتم من قبل } تكتمون إيمانكم في المشركين. وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السلم كافرا كنتم كفارا، فهداه كما هداكم. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم } كفارا مثله، { فتبينوا }. وأولى هذين القولين بتأويل الآية القول الأول، وهو قول من قال: كذلك كنتم تخفون إيمانكم في قومكم من المشركين وأنتم مقيمين بين أظهرهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيما بين أظهر قومه من المشركين، مستخفيا بدينه منهم. وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله عز ذكره إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الإيمان بعد إلقائه إليهم السلام، ولم يقد به قاتلوه للبس الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمقامه بين أظهر قومه من المشركين، وظنهم أنه ألقى السلام إلى المؤمنين تعوذا منهم، ولم يعاتبهم على قتلهم إياه مشركا، فيقال: كما كان كافرا كنتم كفارا بل لا وجه لذلك، لأن الله جل ثناؤه لم يعاتب أحدا من خلقه على قتل محارب لله ولرسوله من أهل الشرك بعد إذنه له بقتله.

واختلف أيضا أهل التأويل في تأويل قوله: { فمن الله عليكم } فقال بعضهم: معنى ذلك: فمن الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أظهروا الإسلام بعد ما كانوا يكتمونه من أهل الشرك. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: { فمن الله عليكم } فأظهر الإسلام. وقال آخرون: معنى ذلك: فمن الله عليكم أيها القاتلون الذي ألقى إليكم السلام طلب عرض الحياة الدنيا بالتوبة من قتلكم إياه. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فمن الله عليكم } يقول: تاب الله عليكم. وأولى التأويلين في ذلك بالصواب التأويل الذي ذكرته عن سعيد بن جبير، لما ذكرنا من الدلالة على أن معنى قوله: { كذلك كنتم من قبل } ما وصفنا قبل، فالواجب أن يكون عقيب ذلك: { فمن الله عليكم } فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به، من توحيده وعبادته، حذرا من أهل الشرك. ]

صفحه نامشخص