910

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قد آمنوا به وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال شق عليهم ذلك وقالوا ما أخبر عنهم في كتابه. فتأويل قوله: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم }: ألم تر بقلبك يا محمد فتعلم إلى الذين قيل لهم من أصحابك حين سألوك أن تسأل ربك أن يفرض عليهم القتال: { كفوا أيديكم } ، فأمسكوها عن قتال المشركين وحربهم. { وأقيموا الصلة } يقول: وأدوا الصلاة التي فرضها الله عليكم بحدودها. { وءاتوا الزكوة } يقول: وأعطوا الزكاة أهلها، الذين جعلها الله لهم من أموالكم، تطهيرا لأبدانكم وأموالكم كرهوا ما أمروا به من كف الأيدي عن قتال المشركين، وشق ذلك عليهم. { فلما كتب عليهم القتال } يقول: فلما فرض عليهم القتال الذي كانوا سألوا أن يفرض عليهم، { إذا فريق منهم } يعني: جماعة منهم { يخشون الناس } يقول: يخافون الناس أن يقاتلوهم، { كخشية الله أو أشد خشية } أو أشد خوفا. { وقالوا } جزعا من القتال الذي فرض الله عليهم: { لم كتبت علينا القتال }: لم فرضت علينا القتال، ركونا منهم إلى الدنيا، وإيثارا للدعة فيها والخفض، عن مكروه لقاء العدو، ومشقة حربهم وقتالهم. { لولا أخرتنا } يخبر عنهم، قالوا: هلا أخرتنا { إلى أجل قريب } يعني: إلى أن يموتوا على فرشهم وفي منازلهم. وبنحو الذي قلنا إن هذه الآية نزلت فيه قال أهل التأويل. ذكر الآثار بذلك، والرواية عمن قاله: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، قال: أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة! فقال:

" إنى أمرت بالعفو فلا تقاتلوا "

فلما حوله الله إلى المدينة أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله تبارك وتعالى: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم }... الآية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } عن الناس، { فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم } نزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن جريج: وقوله: { وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب } قال: إلى أن نموت موتا هو الأجل القريب.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلة } فقرأ حتى بلغ: { إلى أجل قريب } قال: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة، تسرعوا إلى القتال، فقالوا لنبي الله صلى الله عليه وسلم: ذرنا نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين بمكة! فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال:

" لم أؤمر بذلك "

فلما كانت الهجرة وأمر بالقتال، كره القوم ذلك، فصنعوا فيه ما تسمعون، فقال الله تبارك وتعالى: { قل متع الدنيا قليل والأخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا }. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلة وءاتوا الزكوة } قال: هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال { فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية }... الآية، إلى: { إلى أجل قريب } وهو الموت، قال الله: { قل متع الدنيا قليل والاخرة خير لمن اتقى }. وقال آخرون: نزلت هذه وآيات بعدها في اليهود. ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلة }... إلى قوله: { لاتبعتم الشيطن إلا قليلا } ما بين ذلك في اليهود. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم }... إلى قوله: { لم كتبت علينا القتال }: نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. القول في تأويل قوله تعالى: { قل متع الدنيا قليل والأخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا }. يعني بقوله جل ثناؤه: { قل متع الدنيا قليل }: قل يا محمد لهؤلاء القوم الذين قالوا { ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب } عيشكم في الدنيا وتمتعكم بها قليل، لأنها فانية، وما فيها فان، { والأخرة خير } يعني: ونعيم الآخرة خير، لأنها باقية، ونعيمها باق دائم. وإنما قيل: والآخرة خير ومعنى الكلام ما وصفت من أنه معنى به نعيمها، لدلالة ذكر الآخرة بالذي ذكرت به على المعنى المراد منه { لمن اتقى } يعني: لمن اتقى الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فأطاعه في كل ذلك. { ولا تظلمون فتيلا } يعني: ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلا وقد بينا معنى الفتيل فيما مضى بما أغنى عن إعادته ههنا.]

[4.78]

يعني بذلك جل ثناؤه: حيثما تكونوا ينلكم الموت فتموتوا، { ولو كنتم فى بروج مشيدة } يقول: لا تجزعوا من الموت ولا تهربوا من القتال وتضعفوا عن لقاء عدوكم حذرا على أنفسكم من القتل والموت، فإن الموت بإزائكم أين كنتم، وواصل إلى أنفسكم حيث كنتم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: { ولو كنتم فى بروج مشيدة } فقال بعضهم: يعنى به: قصور محصنة. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولو كنتم فى بروج مشيدة } يقول: في قصور محصنة. حدثني علي بن سهل،قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا أبو همام، قال: ثنا كثير أبو الفضل، عن مجاهد، قال: كان فيمن قبلكم امرأة، وكان لها أجير، فولدت جارية فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارا! فخرج فوجد بالباب رجلا، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية، قال: أما إن هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة، ويتزوجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فقال الأجير في نفسه: فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة. فأخذ شفرة فدخل، فشق بطن الصبية. وعولجت فبرئت، فشبت، وكانت تبغي، فأتت ساحلا من سواحل البحر، فأقامت عليه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل: أبغيني امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوجها! فقالت: ههنا امرأة من أجمل الناس، ولكنها تبغي. قال: ائتني بها! فأتتها فقالت: قد قدم رجل له مال كثير، وقد قال لي كذا، فقلت له كذا. فقالت: إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوجته. قال: فتزوجها، فوقعت منه موقعا، فبينا هو يوما عندها، إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية وأرته الشق في بطنها وقد كنت أبغي، فما أدري بمائة أو أقل أو أكثر قال: فإنه قال لي: يكون موتها بالعنكبوت. قال: فبنى لها برجا بالصحراء وشيده. فبينما هما يوما في ذلك البرج، إذا عنكبوت في السقف فقالت: هذا يقتلني؟ لا يقتله أحد غيري! فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته، وساح سمه بين ظفرها واللحم، فاسودت رجلها فماتت، فنزلت هذه الآية: { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { ولو كنتم فى بروج مشيدة } قال: قصور مشيدة. وقال آخرون: معنى ذلك: قصور بأعيانها في السماء. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة } وهي قصور بيض في سماء الدنيا مبنية.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعيد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع في قوله: { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة } يقول: ولو كنتم في قصور في السماء. واختلف أهل العربية في معنى المشيدة ، فقال بعض أهل البصرة منهم: المشيدة: الطويلة. قال: وأما المشيد بالتخفيف، فإنه المزين. وقال آخرون منهم نحو ذلك القول، غير أنه قال: المشيد بالتخفيف: المعمول بالشيد، والشيد: الجص. وقال بعض أهل الكوفة: المشيد والمشيد أصلهما واحد، غير أن ما شدد منه فإنما يشدد لتردد الفعل فيه في جمع مثل قولهم: هذه ثياب مصبغة، وغنم مذبحة، فشدد لأنها جمع يفرق فيها الفعل، وكذلك مثله قصور مشيدة، لأن القصور كثيرة تردد فيها التشييد، ولذلك قيل: بروج مشيدة، ومنه قوله:

وغلقت الأبواب

صفحه نامشخص