880

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

يعني بقوله جل ثناؤه: { يا أيها الذين ءامنوا } صدقوا الله ورسوله { لا تقربوا الصلوة }: لا تصلوا { وأنتم سكرى } وهو جمع سكران، { حتى تعلموا ما تقولون } في صلاتكم، وتقرءون فيها مما أمركم الله به، أو ندبكم إلى قيله فيها مما نهاكم عنه وزجركم. ثم اختلف أهل التأويل في السكر الذي عناه الله بقوله: { لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } فقال بعضهم: عنى بذلك: السكر من الشراب. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي: أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن، فقرأ:

قل يأيها الكافرون

[الكافرون: 1] فخلط فيها، فنزلت: { لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى }. حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا، فدعا نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأكلوا وشربوا حتى ثملوا، فقدموا عليا يصلي بهم المغرب، فقرأ: قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين. فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية: { لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون }. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } قبل أن تحرم الخمر، فقال الله: { يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى }... الآية. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي رزين في قوله: { يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } قال: نزل هذا وهم يشربون الخمر، فقال: وكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي رزين، قال: كانوا يشربون بعد ما أنزلت التي في البقرة، وبعد التي في النساء، فلما أنزلت التي في المائدة تركوها. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون } قال: نهوا أن يصلوا وهم سكارى، ثم نسخها تحريم الخمر. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } قال: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات، ثم نسخ بتحريم الخمر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي وائل وأبي رزين وإبراهيم في قوله: { يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } و

يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنفع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما

[البقرة: 219]، وقوله:

تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا

[النحل: 67] قالوا: كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر. وقال آخرون: معنى ذلك: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى من النوم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: { لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } قال: سكر النوم. حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سلمة، عن الضحاك: { يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } قال: لم يعن بها سكر الخمر، وإنما عنى بها سكر النوم. قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية، تأويل من قال ذلك: نهى من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر، للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك نهي من الله، وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه. فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك معناه، والسكران في حال زوال عقله نظير المجنون في حال زوال عقله، وأنت ممن تحيل تكليف المجانين لفقدهم الفهم بما يؤمر وينهى؟ قيل له: إن السكران لو كان في معنى المجنون لكان غير جائز أمره ونهيه، ولكن السكران هو الذي يفهم ما يأتي ويذر، غير أن الشراب قد أثقل لسانه وأحر جسمه وأخدره، حتى عجز عن إقامة قراءته في صلاته وحدودها الواجبة عليه فيها من غير زوال عقله، فهو بما أمر به ونهي عنه عارف فهم، وعن أداء بعضه عاجز بخدر جسمه من الشراب. وأما من صار إلى حد لا يعقل ما يأتي ويذر، فذلك منتقل من السكر إلى الخبل، ومعدود في المجانين، وليس ذلك الذي خوطب بقوله: { لا تقربوا الصلوة } لأن ذلك مجنون، وإنما خوطب به السكران، والسكران ما وصفنا صفته. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا }. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها جنبا إلا عابري سبيل، يعني: إلا أن تكونوا مجتازى طريق: أي مسافرين حتى تغتسلوا. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز، عن ابن عباس، في قوله: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: المسافر.

وقال ابن المثنى: لفي السفر. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } يقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب، إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوا الماء، فقد أحللت لكم أن تمسحوا بالأرض. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، أو عن زر، عن علي رضي الله عنه: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: إلا أن تكونوا مسافرين فلا تجدوا الماء فتيمموا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير في قوله: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: المسافر. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن أبي مجلز، عن ابن عباس، بمثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله، عن علي رضي الله عنه، قال: نزلت في السفر: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } وعابر السبيل: المسافر إذا لم يجد ماء تيمم. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا هارون، عن ابن مجاهد، عن أبيه: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم فيصلي. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: هو الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون صعيدا طيبا، حتى يجدوا الماء فيغتسلوا. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: مسافرين لا يجدون ماء. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مسعر، عن بكير بن الأخنس، عن الحسن بن مسلم، في قوله: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: إلا أن يكونوا مسافرين، فلا يجدون الماء فيتيمموا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عمرو، عن منصور، عن الحكم: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: المسافر تصيبه الجنابة، فلا يجد ماء فيتيمم. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير، وعن منصور، عن الحكم في قوله: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قالا: المسافر الجنب لا يجد الماء فيتيمم فيصلي.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } إلا أن يكون مسافرا. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن الحكم، نحوه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قال: كنا نسمع أنه في السفر. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: هو المسافر الذي لا يجد الماء فلا بد له من أن يتيمم ويصلي، فهو يتيمم ويصلي. قال: كان أبي يقول هذا. وقال آخرون: معنى ذلك: لا تقربوا المصلى للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوه جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل، يعني: إلا مجتازين فيه للخروج منه. فقال أهل هذه المقالة: أقيمت الصلاة مقام المصلى والمسجد، إذ كانت صلاة المسلمين في مساجدهم أيامئذ لا يتخلفون عن التجميع فيها، فكان في النهي عن أن يقربوا الصلاة كفاية عن ذكر المساجد والمصلى الذي يصلون فيه. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه في قوله: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: هو الممر في المسجد. حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن ابن يسار، عن ابن عباس: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: لا تقرب المسجد إلا أن يكون طريقك فيه، فتمر مرا ولا تجلس. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن سعيد في الجنب يمر في المسجد مجتازا وهو قائم لا يجلس وليس بمتوضىء، وتلا هذه الآية: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: لا بأس للحائض والجنب أن يمرا في المسجد ما لم يجلسا فيه. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو الزبير، قال: كان أحدنا يمر في المسجد وهو جنب مجتازا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن في قوله: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: الجنب يمر في المسجد ولا يقعد فيه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قالا جميعا: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: { ولا جنبا إلا عابرى سبيل } قال: إذا لم يجد طريقا إلا المسجد يمر فيه.

صفحه نامشخص