جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { ذلك أدنى ألا تعولوا } يقول: ذلك أدنى ألا تميلوا. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك في قوله: { ذلك أدنى ألا تعولوا } قال: ألا تجوروا. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون وعارم أبو النعمان، قالا: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن مجاهد: { ذلك أدنى ألا تعولوا } قال: تميلوا. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { ذلك أدنى ألا تعولوا } ذلك أقل لنفقتك الواحدة، أقل من ثنتين وثلاث وأربع، وجاريتك أهون نفقة من حرة { أن لا تعولوا }: أهون عليك في العيال.
[4.4]
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره : وأعطوا النساء مهورهن عطية واجبة، وفريضة لازمة يقال منه: نحل فلان فلانا كذا، فهو ينحله نحلة ونحلا. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وءاتوا النساء صدقتهن نحلة } يقول: فريضة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: أخبرني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { وءاتوا النساء صدقتهن نحلة } يعني بالنحلة: المهر. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { وءاتوا النساء صدقتهن نحلة } قال: فريضة مسماة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: { وءاتوا النساء صدقتهن نحلة } قال: النحلة في كلام العرب: الواجب، يقول: لا ينكحها إلا بشيء واجب لها صدقة، يسميها لها واجبة، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبا بغير حق. وقال آخرون: بل عنى بقوله: { وءاتوا النساء صدقتهن نحلة } أولياء النساء، وذلك أنهم كانوا يأخذون صدقاتهن. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن سيار، عن أبي صالح، قال: كان الرجل إذا زوج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله تبارك وتعالى عن ذلك، ونزلت: { وءاتوا النساء صدقتهن نحلة }. وقال آخرون: بل كان ذلك من أولياء النساء، بأن يعطي الرجل أخته الرجل، على أن يعطيه الآخر أخته، على أن لا كثير مهر بينهما، فنهوا عن ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن أناسا كانوا يعطي هذا الرجل أخته ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كثير مهر، فقال الله تبارك وتعالى: { وءاتوا النساء صدقتهن نحلة }. قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك التأويل الذي قلناه، وذلك أن الله تبارك وتعالى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساء، ونهاهم عن ظلمهن والجور عليهن، وعرفهم سبيل النجاة من ظلمهن ولا دلالة في الآية على أن الخطاب قد صرف عنهم إلى غيرهم. فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين قيل لهم:
فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلث وربع
[النساء: 3] هم الذين قيل لهم: { وءاتوا النساء صدقتهن } وأن معناه: وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهن نحلة، لأنه قال في الأول:
فانكحوا ما طاب لكم من النسآء
[النساء: 3] ولم يقل: فانكحوا، فيكون قوله: { وءاتوا النساء صدقتهن } مصروفا إلى أنه معني به أولياء النساء دون أزواجهن، وهذا أمر من الله أزواج النساء المدخول بهن والمسمى لهن الصداق أن يؤتوهن صدقاتهن دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسم لها في عقد النكاح صداق.
القول في تأويل قوله تعالى: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا }. يعني بذلك جل ثناؤه: فإن وهب لكم أيها الرجال نساؤكم شيئا من صدقاتهن، طيبة بذلك أنفسهن، فكلوه هنيئا مريئا. كما: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عمارة، عن عكرمة: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا } قال: المهر. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني حرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، عن عمارة، عن عكرمة، عن عمارة في قول الله تبارك وتعالى: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا } قال: الصدقات. حدثني المثنى، قال: ثني الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا } قال: الأزواج. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عبيدة، قال: قال لي إبراهيم: أكلت من الهنيء المريء! قلت: ما ذاك؟ قال: امرأتك أعطتك من صداقها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: دخل رجل على علقمة وهو يأكل من طعام بين يديه، من شيء أعطته امرأته من صداقها أو غيره، فقال له علقمة: ادن، فكل من الهنيء المريء! حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } يقول: إذا كان غير إضرار ولا خديعة، فهو هنيء مريء كما قال الله جل ثناؤه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا } قال: الصداق، { فكلوه هنيئا مريئا }. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا }. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن أناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته، فقال الله تبارك وتعالى: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا }. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } يقول: ما طابت به نفسا في غير كره أو هوان، فقد أحل الله لك ذلك أن تأكله هنيئا مريئا. وقال آخرون: بل عني بهذا القول: أولياء النساء، فقيل لهم: إن طابت أنفس النساء اللواتي إليكم عصمة نكاحهن بصدقاتهن نفسا، فكلوه هنيئا مريئا.
ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا سيار، عن أبي صالح في قوله: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا } قال: كان الرجل إذا زوج ابنته عمد إلى صداقها فأخذه، قال: فنزلت هذه الآية في الأولياء: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا }. قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويل الذي قلنا وأن الآية مخاطب بها الأزواج لأن افتتاح الآية مبتدأ بذكرهم، وقوله: { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا } في سياقه. وإن قال قائل: فكيف قيل: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا، وقد علمت أن معنى الكلام: فإن طابت لكم أنفسهن بشيء؟ وكيف وحدت النفس والمعنى للجميع، وذلك أنه تعالى ذكره قال: { وءاتوا النساء صدقتهن نحلة }؟ قيل: أما نقل فعل النفوس إلى أصحاب النفوس، فإن ذلك المستفيض في كلام العرب من كلامها المعروف: ضقت بهذا الأمر ذراعا وذرعا، وقررت بهذا الأمر عينا، والمعنى: ضاق به ذرعي، وقرت به عيني، كما قال الشاعر:
إذا التياز ذو العضلات قلنا
صفحه نامشخص