725

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

[آل عمران: 115] فقوله: «أمة قائمة» مرفوعة بقوله: «من أهل الكتاب». وقد توهم جماعة من نحويي الكوفة والبصرة والمقدمين منهم في صناعتهم، أن ما بعد سواء في هذا الموضع من قوله: { أمة قائمة } ترجمة عن سواء، وتفسير عنه بمعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل، وأخرى كافرة، وزعموا أن ذكر الفرقة الأخرى ترك اكتفاء بذكر إحدى الفرقتين، وهي الأمة القائمة، ومثلوه بقول أبي ذؤيب:

عصيت إليها القلب إني لأمرها

سميع فما أدري أرشد طلابها

ولم يقل: «أم غير رشد» اكتفاء بقوله: «أرشد» من ذكر «أم غير رشد». وبقول الآخر:

أزال فلا أدري أهم هممته

وذو الهم قدما خاشع متضائل

وهو مع ذلك عندهم خطأ قول القائل المريد أن يقول: سواء أقمت أم قعدت، سواء أقمت حتى يقول أم قعدت، وإنما يجيزون حذف الثاني فيما كان من الكلام مكتفيا بواحد دون ما كان ناقصا عن ذلك، وذلك نحو ما أبالي أو ما أدري، فأجازوا في ذلك ما أبالي أقمت، وهم يريدون: ما أبالي أقمت أم قعدت، لاكتفاء ما أبالي بواحد، وكذلك في ما أدري، وأبوا الإجازة في سواء من أجل نقصانه، وأنه غير مكتف بواحد، فأغفلوا في توجيههم قوله: { ليسوا سواء من أهل الكتب أمة قائمة } على ما حكينا عنهم إلى ما وجهوه إليه مذاهبهم في العربية، إذ أجازوا فيه من الحذف ما هو غير جائز عندهم في الكلام مع سواء، وأخطأوا تأويل الآية، فسواء في هذا الموضع بمعنى التمام والاكتفاء، لا بالمعنى الذي تأوله من حكينا قوله. وقد ذكر أن قوله: { من أهل الكتب أمة قائمة }.

.. الآيات الثلاث، نزلت في جماعة من اليهود أسلموا، فحسن إسلامهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ومنحوا فيه، قالت: أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: { ليسوا سواء من أهل الكتب أمة قائمة يتلون ءايت الله } إلى قوله:

وأولئك من الصلحين

[آل عمران: 114].حدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، بنحوه. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ليسوا سواء من أهل الكتب أمة قائمة }... الآية، يقول: ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: { أمة قائمة }: عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية ومبشر، وأسيد وأسد ابنا كعب. وقال آخرون: معنى ذلك: ليس أهل الكتاب وأمة محمد القائمة بحق الله سواء عند الله. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في قوله: { ليسوا سواء من أهل الكتب أمة قائمة } قال: لا يستوي أهل الكتاب، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ليسوا سواء من أهل الكتب أمة قائمة }... الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود كمثل هذه الأمة التي هي قائمة. وقد بينا أن أولى القولين بالصواب في ذلك قول من قال: قد تمت القصة عند قوله: { ليسوا سواء } عن إخبار الله بأمر مؤمني أهل الكتاب، وأهل الكفر منهم، وأن قوله: { من أهل الكتب أمة قائمة }. خبر مبتدأ عن مدح مؤمنيهم، ووصفهم بصفتهم، على ما قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج. ويعني جل ثناؤه بقوله: { أمة قائمة }: جماعة ثابتة على الحق. وقد دللنا على معنى الأمة فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وأما القائمة، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناها: العادلة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { أمة قائمة } قال: عادلة.

صفحه نامشخص