667

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

" فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين "

وبمثل الذي قلنا في معنى قوله: { وطهرك }: أنه وطهر دينك من الدنس والريب، قال مجاهد. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { إن الله اصطفك وطهرك } قال: جعلك طيبة إيمانا. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { واصطفك على نساء العلمين } قال: ذلك للعالمين يومئذ. وكانت الملائكة فيما ذكر ابن إسحاق تقول ذلك لمريم شفاها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: كانت مريم حبيسا في الكنيسة، ومعها في الكنيسة غلام اسمه يوسف، وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيرا حبيسا، فكانا في الكنيسة جميعا، وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف، أخذا قلتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء الذي يستعذبان منه، فيملآن قلتيهما، ثم يرجعان إلى الكنيسة، والملائكة في ذلك مقبلة على مريم: { يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نساء العلمين } فإذا سمع ذلك زكريا، قال: إن لابنة عمران لشأنا.

[3.43]

يعني جل ثناؤه بقوله خبرا عن قيل ملائكته لمريم: { يمريم اقنتى لربك } أخلصي الطاعة لربك وحده. وقد دللنا على معنى القنوت بشواهده فيما مضى قبل. والإختلاف بين أهل التأويل فيه في هذا الموضع نحو اختلافهم فيه هنالك، وسنذكر قول بعضهم أيضا في هذا الموضع، فقال بعضهم: معنى «اقنتي»: أطيلي الركود. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { يمريم اقنتى لربك } قال: أطيلي الركود، يعني: القنوت. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج { اقنتى لربك } قال: قال مجاهد: أطيلي الركود في الصلاة، يعني: القنوت. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، قال: لما قيل لها: { يمريم اقنتى لربك } قامت حتى ورم كعباها. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، قال: لما قيل لها: { يمريم اقنتى لربك } قامت حتى ورمت قدماها. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن مجاهد: { اقنتى لربك } قال: أطيلي الركود. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { يمريم اقنتى لربك } قال: القنوت: الركود، يقول: قومي لربك في الصلاة، يقول: اركدي لربك، أي انتصبي له في الصلاة، واسجدي واركعي مع الراكعين. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: { يمريم اقنتى لربك } قال: كانت تصلي حتى ترم قدماها. حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا الأوزاعي: { يمريم اقنتى لربك } قال: كانت تقوم حتى يسيل القيح من قدميها. وقال آخرون: معناه: أخلصي لربك. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: { يمريم اقنتى لربك } قال: أخلصي لربك. وقال آخرون: معناه: أطيعي ربك. ذكر من قال ذلك: حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { اقنتى لربك } قال: أطيعي ربك. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { اقنتى لربك } أطيعي ربك. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" كل حرف يذكر فيه القنوت من القرآن، فهو طاعة لله "

حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور، عن الحسن، في قوله: { يمريم اقنتى لربك } قال: يقول: اعبدي ربك. قال أبو جعفر: وقد بينا أيضا معنى الركوع والسجود بالأدلة الدالة على صحته، وأنهما بمعنى الخشوع لله والخضوع له بالطاعة والعبودية. فتأويل الآية إذا: يا مريم أخلصي عبادة ربك لوجهه خالصا، واخشعي لطاعته وعبادته، مع من خشع له من خلقه، شكرا له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتطهير من الأدناس والتفضيل على نساء عالم دهرك.

[3.44]

يعني جل ثناؤه بقوله: ذلك الأخبار التي أخبر بها عباده عن امرأة عمران وابنتها مريم وزكريا، وابنه يحيى، وسائر ما قص في الآيات من قوله:

إن الله اصطفى آدم ونوحا

[آل عمران: 33] ثم جمع جميع ذلك تعالى ذكره بقوله ذلك، فقال: هذه الأنباء من أنباء الغيب: أي من أخبار الغيب. ويعني بالغيب، أنها من خفي أخبار القوم التي لم تطلع أنت يا محمد عليها ولا قومك، ولم يعلمها إلا قليل من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه حجة على نبوته، وتحقيقا لصدقه، وقطعا منه به عذر منكري رسالته من كفار أهل الكتابين الذين يعلمون أن محمدا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها ولم يدرك معرفتها مع خمولها عند أهلها إلا بإعلام الله ذلك إياه، إذ كان معلوما عندهم أنه محمدا صلى الله عليه وسلم أمي لا يكتب فيقرأ الكتب فيصل إلى علم ذلك من قبل الكتب، ولا صاحب أهل الكتب فيأخذ علمه من قبلهم. وأما الغيب: فمصدر من قول القائل: غاب فلان عن كذا، فهو يغيب عنه غيبا وغيبة. وأما قوله: { نوحيه إليك } فإن تأويله: ننزله إليك، وأصل الإيحاء: إلقاء الموحي إلى الموحى إليه، وذلك قد يكون بكتاب وإشارة وإيماء وبإلهام وبرسالة، كما قال جل ثناؤه:

صفحه نامشخص