644

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

" يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم الذين ذكر الله عز وجل "

فتأويل الآية إذا: إن الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون آمريهم بالعدل في أمر الله ونهيه، الذين ينهونهم عن قتل أنبياء الله وركوب معاصيه. القول في تأويل قوله تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين }. يعني بقوله جل ثناؤه: { فبشرهم بعذاب أليم } فأخبرهم يا محمد، وأعلمهم أن لهم عند الله عذابا مؤلما لهم، وهو الموجع. وأما قوله: { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } فإنه يعني بقوله: { أولئك } الذين يكفرون بآيات الله. ومعنى ذلك: أن الذين ذكرناهم، هم الذين حبطت أعمالهم، يعني بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة. فأما قوله: { فى الدنيا } فلم ينالوا بها محمدة ولا ثناء من الناس، لأنهم كانوا على ضلال وباطل، ولم يرفع الله لهم بها ذكرا، بل لعنهم وهتك أستارهم، وأبدى ما كانوا يخفون من قبائح أعمالهم على ألسن أنبيائه ورسله في كتبه التي أنزلها عليهم، فأبقى لهم ما بقيت الدنيا مذمة، فذلك حبوطها في الدنيا. وأما في الآخرة، فإنه أعد لهم فيها من العقاب ما وصف في كتابه، وأعلم عباده أن أعمالهم تصير بورا لا ثواب لها، لأنها كانت كفرا بالله، فجزاء أهلها الخلود في الجحيم. وأما قوله: { وما لهم من ناصرين } فإنه يعني: وما لهؤلاء القوم من ناصر ينصرهم من الله إذا هو انتقم منهم بما سلف من إجرامهم واجترائهم عليه، فيستنقذهم منه.

[3.23]

يعني بذلك جل ثناؤه: { ألم تر } يا محمد { إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } يقول: الذين أعطوا حظا من الكتاب، يدعون إلى كتاب الله. واختلف أهل التأويل في الكتاب الذي عنى الله بقوله: { يدعون إلى كتاب الله } فقال بعضهم: هو التوراة دعاهم إلى الرضا بما فيها، إذ كانت الفرق المنتحلة الكتب تقر بها وبما فيها أنها كانت أحكام الله قبل أن ينسخ منها ما نسخ. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال:

" على ملة إبراهيم ودينه "

، فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم "

فأبوا عليه، فأنزل الله عز وجل: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون }... إلى قوله: { ما كانوا يفترون }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس، فذكر نحوه، إلا أنه قال: فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" فهلما إلى التوراة "

، وقال أيضا: فأنزل الله فيهما: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } وسائر الحديث مثل حديث أبي كريب. وقال بعضهم: بل ذلك كتاب الله الذي أنزله على محمد، وإنما دعيت طائفة منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم بالحق، فأبت. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } أولئك أعداء الله اليهود، دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم، وإلى نبيه ليحكم بينهم وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ثم تولوا عنه وهم معرضون. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب }.

صفحه نامشخص