618

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

قال: فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا، فأنزل الله عز وجل: { الم الله لا إله إلا هو الحى القيوم }. القول في تأويل قوله تعالى: { الحى القيوم }. اختلفت القراء في ذلك، فقرأته قراء الأمصار: { الحى القيوم }. وقرأ ذلك عمر بن الخطاب وابن مسعود فيما ذكر عنهما: «الحي القيام». وذكر عن علقمة بن قيس أنه كان يقرأ: «الحي القيم». حدثنا بذلك أبو كريب، قال: ثنا عثام بن علي، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، قال: سمعت علقمة يقرأ: «الحي القيم» قلت: أنت سمعته؟ قال: لا أدري.

حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن علقمة، مثله. وقد روي عن علقمة خلاف ذلك، وهو ما: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا شيبان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن علقمة أنه قرأ: «الحي القيام». والقراءة التي لا يجوز غيرها عندنا في ذلك، ما جاءت به قراءة المسلمين نقلا مستفيضا عن غير تشاعر ولا تواطؤ وراثة، وما كان مثبتا في مصاحفهم، وذلك قراءة من قرأ { الحى القيوم }. القول في تأويل قوله تعالى: { الحي }. اختلف أهل التأويل في معنى قوله: { الحي } فقال بعضهم: معنى ذلك من الله تعالى ذكره: أنه وصف نفسه بالبقاء، ونفى الموت الذي يجوز على من سواه من خلقه عنها. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { الحي } الذي لا يموت، وقد مات عيسى وصلب في قولهم، يعني في قول الأحبار الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى أهل نجران. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: { الحي } قال: يقول: حي لا يموت. وقال آخرون: معنى { الحي } الذي عناه الله عز وجل في هذه الآية ووصف به نفسه، أنه المتيسر له تدبير كل ما أراد وشاء، لا يمتنع عليه شيء أراده، وأنه ليس كمن لا تدبير له من الآلهة والأنداد. وقال آخرون: معنى ذلك: أن له الحياة الدائمة التي لم تزل له صفة، ولا تزال كذلك. وقالوا: إنما وصف نفسه بالحياة، لأن له حياة كما وصفها بالعلم لأن لها علما، وبالقدرة لأن لها قدرة. ومعنى ذلك عندي: أنه وصف نفسه بالحياة الدائمة التي لا فناء لها ولا انقطاع، ونفى عنها ما هو حال بكل ذي حياة من خلقه، من الفناء، وانقطاع الحياة عند مجيء أجله، فأخبر عباده أنه المستوجب على خلقه العبادة والألوهة، والحي الذي لا يموت، ولا يبيد كما يموت كل من اتخذ من دونه ربا، ويبيد كل من ادعى من دونه إلها، واحتج على خلقه بأن من كان يبيد فيزول ويموت فيفنى، فلا يكون إلها يستوجب أن يعبد دون الإله الذي لا يبيد ولا يموت، وأن الإله: هو الدائم الذي لا يموت ولا يبيد ولا يفنى، وذلك الله الذي لا إله إلا هو. القول في تأويل قوله تعالى: { القيوم }. قد ذكرنا اختلاف القراءة في ذلك والذي نختار منه، وما العلة التي من أجلها اخترنا ما اخترنا من ذلك.

فأما تأويل جميع الوجوه التي ذكرنا أن القراء قرأت بها فمتقارب، ومعنى ذلك كله: القيم بحفظ كل شيء ورزقه وتدبيره وتصريفه فيما شاء وأحب من تغيير وتبديل وزيادة ونقص. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى بن ميمون، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه: { الحي القيوم } قال: القائم على كل شيء. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { القيوم } قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه. وقال آخرون: معنى ذلك القيام على مكانه، ووجهوه إلى القيام الدائم الذي لا زوال معه ولا انتقال، وأن الله عز وجل إنما نفى عن نفسه بوصفها بذلك التغير والتنقل من مكان إلى مكان وحدوث التبدل الذي يحدث في الآدميين وسائر خلقه غيرهم. ذكر من قال ذلك: حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عمر بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { القيوم } القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول، وقد زال عيسى في قولهم. يعني في قول الأحبار الذين حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجران في عيسى. عن مكانه الذي كان به وذهب عنه إلى غيره. وأولى التأويلين بالصواب، ما قاله مجاهد والربيع، وأن ذلك وصف من الله تعالى ذكره نفسه بأنه القائم بأمر كل شيء في رزقه والدفع عنه، وكلاءته وتدبيره وصرفه في قدرته، من قول العرب: فلان قائم بأمر هذه البلدة، يعنى بذلك: المتولي تدبير أمرها. فالقيوم إذ كان ذلك معناه «الفيعول» من قول القائل: الله يقول بأمر خلقه، وأصله القيووم، غير أن الواو الأولى من القيوم لما سبقتها ياء ساكنة وهي متحركة قلبت ياء، فجعلت هي والياء التي قبلها ياء مشددة، لأن العرب كذلك تفعل بالواو المتحركة إذا تقدمتها ياء ساكنة. وأما القيام، فإن أصله القيوام، وهو الفيعال، من قام يقوم، سبقت الواو المتحركة من قيوام ياء ساكنة، فجعلتا جميعا ياء مشددة. ولو أن القيوم فعول، كان القووم، ولكنه الفيعول، وكذلك القيام لو كان الفعال لكان القوام، كما قيل: الصوام والقوام، وكما قال جل ثناؤه: { كونوا قوامين لله شهداء بالقسط } ، ولكنه الفيعال فقال: القيام. وأما القيم فهو الفيعل من قام يقوم، سبقت الواو المتحركة ياء ساكنة فجعلتا ياء مشددة، كما قيل: فلان سيد قومه، من ساد يسود، وهذا طعام جيد من جاد يجود، وما أشبه ذلك. وإنما جاء ذلك بهذه الألفاظ لأنه قصد به قصد المبالغة في المدح، فكان القيوم والقيام والقيم أبلغ في المدح من القائم. وإنما كان عمر رضي الله عنه يختار قراءته إن شاء الله «القيام»، لأن ذلك الغالب على منطق أهل الحجاز في ذوات الثلاثة من الياء والواو، فيقولون للرجل الصواغ: الصياغ، ويقولون للرجل الكثير الدوران الديار. وقد قيل إن قول الله جل ثناؤه: { لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } إنما هو «دوارا» «فعالا» من دار يدور، ولكنها نزلت بلغة أهل الحجاز، وأقرت كذلك في المصحف.

[3.3-4]

يقول جل ثناؤه: يا محمد إن ربك ورب عيسى ورب كل شيء، هو الرب الذي أنزل عليك { الكتاب } يعني بالكتاب: القرآن. { بالحق } يعني بالصدق فيما اختلف فيه أهل التوراة والإنجيل، وفيما خالفك فيه محاجوك من نصارى أهل نجران، وسائر أهل الشرك غيرهم. { مصدقا لما بين يديه } يعني بذلك القرآن، أنه مصدق لما كان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رسل الله من عنده ، لأن منزل جميع ذلك واحد، فلا يكون فيه اختلاف، ولو كان من عند غيره كان فيه اختلاف كثير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { مصدقا لما بين يديه } قال: لما قبله من كتاب أو رسول. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { مصدقا لما بين يديه } لما قبله من كتاب أو رسول. حدثني محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { نزل عليك الكتاب بالحق } أي بالصدق فيما اختلفوا فيه. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه } يقول: القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتب التي قد خلت قبله. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه } يقول: مصدقا لما قبله من كتاب ورسول. القول في تأويل قوله تعالى: { وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس }. يعني بذلك جل ثناؤه: وأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى. { من قبل } يقول: من قبل الكتاب الذي نزله عليك. ويعني بقوله: { هدى للناس } بيانا للناس من الله، فيما اختلفوا فيه من توحيد الله وتصديق رسله، ومفيدا يا محمد أنك نبيي ورسولي، وفي غير ذلك من شرائع دين الله. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس } هما كتابان أنزلهما الله، فيما بيان من الله، وعصمة لمن أخذ به وصدق به وعمل بما فيه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { وأنزل التوراة والإنجيل } التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، كما أنزل الكتب على من كان قبلهما. القول في تأويل قوله تعالى: { وأنزل الفرقان }.

يعني جل ثناؤه بذلك: وأنزل الفصل بين الحق والباطل، فيما اختلفت فيه الأحزاب وأهل الملل في أمر عيسى وغيره. وقد بينا فيما مضى أن الفرقان إنما هو الفعلان من قولهم: فرق الله بين الحق والباطل يفصل بينهما بنصره بالحق على الباطل إما بالحجة البالغة، وإما بالقهر والغلبة بالأيدي والقوة. وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أن بعضهم وجه تأويله إلى أنه فصل بين الحق والباطل في أمر عيسى، وبعضهم إلى أنه فصل بين الحق والباطل في أحكام الشرائع. ذكر من قال: معناه: الفصل بين الحق والباطل في أمر عيسى والأحزاب: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { وأنزل الفرقان } أي الفصل بين الحق والباطل، فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره. ذكر من قال: معنى ذلك الفصل بين الحق والباطل في الأحكام وشرائع الإسلام: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وأنزل الفرقان } هو القرآن أنزله على محمد وفرق به بين الحق والباطل، فأحل فيه حلاله، وحرم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وحد فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبين فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { وأنزل الفرقان } قال: الفرقان: القرآن فرق بين الحق والباطل. والتأويل الذي ذكرناه عن محمد بن جعفر بن الزبير في ذلك، أولى بالصحة من التأويل الذي ذكرناه عن قتادة والربيع، وأن يكون معنى الفرقان في هذا الموضع: فصل الله بين نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والذي حاجوه في أمر عيسى وفي غير ذلك من أموره بالحجة البالغة القاطعة عذرهم وعذر نظرائهم من أهل الكفر بالله. وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب، لأن إخبار الله عن تنزيله القرآن قبل إخباره عن تنزيله التوراة والإنجيل في هذه الآية قد مضى بقوله: { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه } ولا شك أن ذلك الكتاب هو القرآن لا غيره، فلا وجه لتكريره مرة أخرى، إذ لا فائدة في تكريره، ليست في ذكره إياه وخبره عنه ابتداء. القول في تأويل قوله تعالى: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام }. يعني بذلك جل ثناؤه: إن الذين جحدوا أعلام الله وأدلته على توحيده وألوهته، وأن عيسى عبد له واتخذوا المسيح إلها وربا، أو ادعوه لله ولدا، { لهم عذاب } من الله { شديد } يوم القيامة، والذين كفروا هم الذين جحدوا آيات الله. وآيات الله: أعلام الله وأدلته وحججه. وهذا القول من الله عز وجل، ينبىء عن معنى قوله: { وأنزل الفرقان } أنه معني به الفصل الذي هو حجة لأهل الحق على أهل الباطل لأنه عقب ذلك بقوله: { إن الذين كفروا بآيات الله } يعني: أن الذين جحدوا ذلك الفصل والفرقان الذي أنزله فرقا بين المحق والمبطل، { لهم عذاب شديد } وعيد من الله لمن عاند الحق بعد وضوحه له، وخالف سبيل الهدى بعد قيام الحجة عليه.

ثم أخبرهم أنه عزيز في سلطانه لا يمنعه مانع ممن أراد عذابه منهم، ولا يحول بينه وبينه حائل، ولا يستطيع أن يعانده فيه أحد، وأنه ذو انتقام ممن جحد حججه وأدلته، بعد ثبوتها عليه، وبعد وضوحها له ومعرفته بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام }.

[3.5]

يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله لا يخفى عليه شيء وهو في الأرض ولا شيء وهو في السماء. يقول: فيكف يخفى علي يا محمد، وأنا علام جميع الأشياء، ما يضاهى به هؤلاء الذين يجادلونك في آيات الله من نصارى جران في عيسى ابن مريم في مقالتهم التي يقولونها فيه؟ كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { إن الله لا يخفى عليه شىء في الأرض ولا فى السماء } أي قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم في عيسى إذ جعلوه ربا وإلها، وعندهم من علمه غير ذلك، غرة بالله وكفرا به.

[3.6]

صفحه نامشخص